اقتصادكم-حنان الزيتوني
لم يقتصر تشكيل الحكومة الجديدة، المعلن عنها أمس، على إعادة ترتيب موازين المسؤولية داخل الجهاز التنفيذي، بل حمل معه محطة بارزة في مسار المشاركة السياسية للمرأة، بتولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة، كأول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ المملكة. غير أن هذه السابقة، على أهميتها المؤسساتية والرمزية، تضع التمثيلية النسائية أمام اختبار يتجاوز دلالة الأسماء والمناصب إلى طبيعة الاختصاصات الممنوحة للنساء ومدى تأثيرهن في توجيه السياسات العمومية.
وتضم التشكيلة الحكومية الجديدة سبع نساء من أصل 32 عضوا، أي ما يقارب 21.9 في المائة، وفق المعطيات المنشورة بشأن تركيبة الحكومة. وإلى جانب رئيسة الحكومة، توزعت المسؤوليات النسائية بين وزارتين وأربع وزارات منتدبة، في صيغة تجمع بين حضور المرأة على رأس السلطة التنفيذية ومشاركتها في تدبير عدد من القطاعات الاجتماعية والإدارية والاقتصادية.
المنصوري.. سابقة تاريخية ومسؤولية سياسية
يشكل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، المنتمية إلى حزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة أبرز تحول في المشهد النسائي داخل السلطة التنفيذية. فالوصول إلى هذا المنصب لا يحمل دلالة رمزية فحسب، بل يضع المرأة المغربية في موقع قيادة الجهاز الحكومي، بما يرافق ذلك من مسؤوليات مرتبطة بتنسيق العمل بين القطاعات الوزارية، وتتبع تنفيذ البرنامج الحكومي، والتفاعل مع انتظارات المواطنين.
لكن أهمية هذا التعيين ستظل مرتبطة، في نهاية المطاف، بما ستسفر عنه الممارسة الحكومية من نتائج. فالمعيار لا يتوقف عند وصول امرأة إلى أعلى منصب تنفيذي، وإنما يشمل أيضا مدى انعكاس هذا الحضور على توسيع مشاركة النساء في مواقع القرار، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وإدماج المساواة بين الجنسين في السياسات العمومية.
ست وزيرات في قطاعات متعددة
وإلى جانب رئيسة الحكومة، تضم التشكيلة الجديدة ست نساء يتوزعن على قطاعات مختلفة، بما يعكس تعدد مجالات المسؤولية المسندة إلى المرأة داخل الجهاز التنفيذي.
وتتولى شرفات أفيلال وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، فيما أُسندت إلى نجوى كوكوس وزارة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة. أما قلوب فيطح، فتتولى مهمة الوزيرة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، في حين أُسندت إلى ماديحة خيير مسؤولية التكوين المهني والتأهيل.
وتضم اللائحة أيضا فاطمة السعدي، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، وعائشة كلاع، الوزيرة المنتدبة لدى وزير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي المنتدبة المكلفة بإصلاح الإدارة.
وتكشف هذه التوزيعة عن امتداد الحضور النسائي إلى ملفات تتصل بالتنمية المستدامة، والأسرة، والمساواة، والتكوين المهني، والإسكان، وتحديث الإدارة. وهي مجالات ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بقضايا التشغيل وجودة الخدمات العمومية وتحسين ظروف العيش، ما يجعل أداء المسؤولات المعنيات جزءاً من التقييم العام لعمل الحكومة.
المناصفة.. بين النص الدستوري والممارسة السياسية
ورغم الدلالة التي يحملها وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، فإن الأرقام تبرز استمرار الفجوة بين الطموح إلى المناصفة والتمثيل الفعلي داخل الجهاز التنفيذي. فنسبة النساء، التي لا تتجاوز نحو 22 في المائة من مجموع أعضاء الحكومة، تعني أن الحضور النسائي لا يزال أقل من الثلث، وهو ما يعيد النقاش حول المعايير المعتمدة في توزيع المسؤوليات الحكومية، ومدى قدرة الأحزاب السياسية على توسيع قاعدة النساء المؤهلات لتولي مناصب القرار.
وفي هذا السياق، لا يرتبط تقييم التمثيلية النسائية بالعدد وحده، بل يشمل أيضا طبيعة الحقائب المسندة إلى النساء، ومستوى استقلالية القرار داخلها، ومدى مشاركتهن في تحديد الأولويات الحكومية وصياغة التوجهات الاقتصادية والاجتماعية. فالمشاركة الفعلية تقتضي أن تكون المرأة حاضرة في مختلف دوائر صنع القرار، لا أن يظل حضورها محصوراً في قطاعات بعينها أو مرتبطا بتمثيل رمزي.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية بالنظر إلى حجم الملفات المطروحة أمام الحكومة الجديدة، وفي مقدمتها التشغيل، وإصلاح التعليم والصحة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين جودة الخدمات العمومية. وهي تحديات تتطلب سياسات تستجيب لحاجيات مختلف فئات المجتمع، مع ضمان إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في التخطيط والتنفيذ والتقييم.
من التمثيل إلى المحاسبة على النتائج
ويضع وجود سبع نساء في الحكومة الجديدة المسؤولات المعنيات أمام مسؤولية مزدوجة: تدبير القطاعات المسندة إليهن وفق أهداف قابلة للتقييم، والمساهمة في ترسيخ حضور النساء داخل المؤسسات ومراكز القرار. كما يضع الأحزاب السياسية أمام سؤال مدى التزامها بتعزيز مشاركة المرأة، ليس فقط خلال تشكيل الحكومات، وإنما أيضا في مسارات الترشيح والانتخاب والتعيين وتوزيع المسؤوليات.
ولا يمكن اختزال مسار تمكين المرأة في تعيينات حكومية، مهما بلغت أهميتها، لأن توسيع المشاركة السياسية يرتبط كذلك بفرص الولوج إلى الحياة الحزبية، وتكافؤ الفرص في المنافسة الانتخابية، وتوفير الشروط التي تسمح للنساء بالاستمرار في تحمل المسؤوليات العامة.
وبين رمزية تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة ومحدودية الحصة العددية للنساء داخل تشكيلتها، تتشكل معادلة المرحلة الجديدة: سابقة تاريخية من جهة، وأسئلة مفتوحة بشأن تعميق المناصفة من جهة أخرى. وستظل الحصيلة العملية، وما ستكشف عنه من قرارات وبرامج ونتائج، المعيار الأساسي لتقييم مدى تحول هذا الحضور إلى مشاركة مؤثرة في تدبير الشأن العام.