اقتصادكم- هند شمراق
لم تعد التساقطات المطرية بالمغرب تقاس فقط بما تحمله من انتعاش للأرض، بل أيضا بقدرتها على تخفيف الضغط على الموارد المائية وإنعاش النشاط الفلاحي بعد فترات من الإجهاد المائي. وبين تحسن مخزون السدود وتطلعات الفلاحين إلى موسم أفضل، يبرز تحدي تحويل هذه الأمطار إلى مكاسب مائية وفلاحية مستدامة، في ظل تفاوت توزيع التساقطات ومخاطر الظواهر الرعدية القوية.
انتعاش السدود
وفي هذا السياق، أكد فؤاد الزهراني، دكتور في علوم البيئة والتنمية المستدامة، في تصريح خاص لـ«اقتصادكم»، أن التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدتها مناطق عدة بالمملكة المغربية، رغم طابعها الرعدي، ساهمت في تحسين الواردات المائية وتعزيز مخزون عدد من السدود، من بينها سد محمد الخامس بالجهة الشرقية، وسد سيدي محمد بن عبد الله بمنطقة الرباط، وسد المسيرة، إضافة إلى سد أحمد الحنصالي بإقليم بني ملال.
وأوضح الزهراني أن هذه التساقطات ساهمت في رفع المخزون الوطني من المياه بالسدود إلى نحو 11,1 مليار متر مكعب، وفق المعطيات الرسمية المتوفرة على منصة "الماء ديالنا"، مسجلا تحسنا مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ويمنح هذا الارتفاع هامشا إضافيا لتدبير الموارد المائية وتلبية الحاجيات المرتبطة بالتزود بالماء الصالح للشرب والري، غير أن تحسن المخزون الإجمالي لا يعني بالضرورة تجاوز مظاهر الإجهاد المائي في مختلف مناطق المملكة. فمدى الاستفادة من التساقطات يظل مرتبطا بتوزيعها الجغرافي، ووضعية الأحواض المائية، وحجم الطلب على المياه.
كما أن ارتفاع الواردات المائية خلال فترة معينة لا يضمن استمرار التحسن على مدار السنة، خصوصا في ظل التذبذب المناخي وتزايد الضغط على الموارد المائية. وهو ما يجعل تدبير المخزون المتاح وترشيد الاستهلاك عاملين أساسيين للحفاظ على المكاسب التي تحققت بفعل الأمطار.
انتعاش المراعي وتخفيف أعباء الفلاحين
وأبرز الخبير أن التساقطات الأخيرة تساهم في تحسين ظروف الزرع والإنبات وتهيئة التربة، فضلا عن إنعاش الغطاء النباتي والمراعي، وهو ما من شأنه تقليص كلفة الأعلاف بالنسبة إلى مربي الماشية.
غير أن الأثر الإيجابي للأمطار لا يتحدد بكميتها وحدها، بل أيضا بتوقيت نزولها وانتظامها ومدى توافقها مع الحاجيات المائية للمحاصيل، وفق التقارير البيئية، فاستمرار فترات الجفاف بعد التساقطات قد يحد من استفادة المزروعات، بينما يمكن للأمطار الغزيرة والمركزة أن تتسبب في جريان المياه فوق سطح التربة، بما يقلص فرص تسربها إلى الطبقات الجوفية.
طبيعة التساقطات وأهميتها
ومن بين المكاسب المنتظرة، أشار الزهراني إلى أن تحسن مخزون السدود يوفر هامشا أكبر لتدبير مياه السقي وتخفيف الضغط على الموارد المائية المخصصة للري، إلى جانب مساهمة التساقطات في تغذية الفرشات المائية.
وتبرز أهمية هذه العملية بالنظر إلى دور المياه الجوفية في تلبية حاجيات عدد من المناطق، خصوصا خلال الفترات التي تتراجع فيها التساقطات. غير أن تجدد هذه الموارد لا يتم بالضرورة بالوتيرة نفسها التي يرتفع بها مخزون السدود، إذ يتأثر بنفاذية التربة وطبيعة التكوينات الجيولوجية وشدة الأمطار ومدى تسرب المياه إلى باطن الأرض.
ومن ثم، فإن تعزيز الأمن المائي لا يرتبط فقط بارتفاع منسوب المياه داخل السدود، بل يتطلب تدبيرا متكاملا للموارد السطحية والجوفية، إلى جانب تحسين كفاءة استعمال المياه في القطاع الفلاحي، الذي يمثل أحد أبرز مجالات الطلب على هذه المادة الحيوية.
الأمطار الرعدية
وفي مقابل الفوائد المحتملة، نبه الزهراني إلى أن التساقطات القوية والمركزة، خاصة المصحوبة بزخات رعدية، قد تتسبب في انجراف التربة والفيضانات وغمر بعض الحقول، فضلا عن إلحاق أضرار ببعض الزراعات القائمة.
وتبرز هذه المخاطر أهمية التمييز بين التساقطات المنتظمة التي تتيح للتربة امتصاص المياه تدريجيا، والأمطار الغزيرة التي تنزل خلال فترات وجيزة، والتي قد تؤدي إلى ارتفاع سريع في الجريان السطحي وتضرر الأراضي الزراعية والمنشآت والبنيات التحتية.
كما أن انجراف التربة قد يؤثر في خصوبتها، خصوصا في المناطق المنحدرة أو التي تعاني ضعف الغطاء النباتي، ما يجعل تدبير مياه الأمطار والحد من مخاطر الفيضانات جزءا أساسيا من الاستفادة المستدامة من الموارد المائية.
وأكد الخبير أن الأثر الإيجابي للتساقطات على القطاع الفلاحي يظل مرتبطا بطبيعتها وتوزيعها وحدتها، بما يعني أن تقييم نتائجها يتطلب النظر إلى انعكاساتها على السدود والتربة والمزروعات والفرشات المائية، وليس الاقتصار على حجم التساقطات المسجل.