عمارة: تعميم التغطية الصحية يقتضي ضمان الولوج الفعلي إلى العلاج

الاقتصاد الوطني - 14-10-2026

عمارة: تعميم التغطية الصحية يقتضي ضمان الولوج الفعلي إلى العلاج

اقتصادكم – عبد الصمد واحمودو

أكد عبد القادر عمارة، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن نجاح ورش تعميم التغطية الصحية بالمغرب لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأشخاص المسجلين في أنظمة التأمين، بل بمدى قدرة المواطنين على الولوج الفعلي إلى العلاجات التي يحتاجون إليها، في الوقت المناسب، وبجودة مناسبة وتكلفة ميسرة.

وأوضح عمارة، خلال ندوة دولية  نظمها مجلس المنافسة اليوم الأربعاء بمراكش، حول موضوع ،سياسة الصحة بالمغرب: المنافسة والتنظيم والحكامة في عصر التغطية الاجتماعية الشاملة"، أن المغرب حقق تقدما مهما في توسيع التغطية الصحية، إذ بلغت نسبة السكان المستفيدين من التغطية الطبية نحو 88 في المائة مع نهاية سنة 2025، مقابل حوالي 42 في المائة قبل إطلاق ورش التعميم، معتبرا أن هذا التطور يمثل تحولا اجتماعيا مهما وخطوة أساسية في ترسيخ الدولة الاجتماعية.

وشدد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في كلمة ألقاها خلال مشاركته في الندوة، على أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من توسيع نطاق التغطية إلى ضمان فعاليتها، من خلال استمرارية الحقوق التأمينية، وتوفير عرض صحي كاف وذي جودة، وتحسين القدرة على تحمل تكاليف العلاج، وتعزيز تنظيم القطاع الصحي بما يحافظ على التوازن المالي للمنظومة.

استمرارية الحقوق وتحقيق الإنصاف بين أنظمة التأمين

وفي هذا السياق، أشار عمارة إلى استمرار حالات انقطاع الاستفادة من التغطية الصحية لدى بعض المسجلين في أنظمة التأمين، رغم التحسن المسجل في المؤشرات العامة، مبرزا أن هذه الوضعية تحرم أشخاصا من التكفل بالعلاج في الوقت الذي يحتاجون إليه.

ودعا إلى جعل التسجيل في التأمين الصحي الإجباري أكثر فعالية، والحد من حالات انقطاع الحقوق، وضمان استمرارية التغطية عند تغيير الوضعية المهنية أو نظام التأمين، إلى جانب تحسين تحصيل الاشتراكات.

كما أكد ضرورة تعزيز التقارب بين أنظمة التأمين الصحي، بما يضمن مزيدا من الإنصاف في المساهمات ومستويات التغطية ونسب التعويض وشروط التكفل، مع الحفاظ على مبادئ التضامن والتكامل بين مختلف الأنظمة.

تعزيز المستشفى العمومي لتخفيف الضغط على المنظومة

وبخصوص العرض الصحي، اعتبر عمارة أن تعميم التغطية الصحية وتأهيل المنظومة العلاجية يمثلان ورشين متكاملين، مشددا على أن توسيع قاعدة المستفيدين لن يحقق أهدافه كاملة دون توفير الموارد البشرية الكافية، وتحسين توزيع الأطباء ومهنيي الصحة بين مختلف المناطق، وتعزيز جاذبية العمل في المؤسسات الصحية العمومية.

وأكد أن تقوية القطاع الصحي العمومي ينبغي أن تظل أولوية، بالتوازي مع تطوير التكامل مع القطاع الخاص والقطاع التعاضدي، بما يضمن عدم ارتباط الولوج إلى العلاج بمكان الإقامة أو مستوى الدخل.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أن الجزء الأكبر من نفقات التأمين الإجباري عن المرض يتجه نحو القطاع الصحي الخاص، موضحا أن متوسط التكفل بالملف الطبي الواحد في هذا القطاع يفوق بنحو 5.6 مرات نظيره في القطاع العمومي.

وحذر من أن توسيع التغطية الصحية، دون تعزيز مواز للعرض العمومي وجعله أكثر جاذبية وفعالية، قد يؤدي إلى زيادة الضغط على النفقات وإضعاف التوازن المالي للمنظومة الصحية على المدى الطويل.

وأضاف أن المطلوب ليس وضع القطاعين العام والخاص في مواجهة بعضهما، وإنما تنظيم العلاقة بينهما وتحديد أدوارهما بما يضمن الاستجابة لحاجيات المواطنين وتحسين جودة الخدمات الصحية واستدامة تمويلها.

المنافسة والتنظيم لضمان استدامة التأمين الصحي

وفي ما يتعلق بتنظيم القطاع، أوضح عمارة أن تعميم التأمين الصحي يفتح آفاقا جديدة للاستثمار وتطوير العرض العلاجي وتحديث التجهيزات وتنويع الخدمات، غير أن هذه الدينامية تستدعي تأطيرا تنظيميا يضمن المنافسة السليمة ويحمي التوازنات المالية للمنظومة.

وشدد على أن قطاع الصحة لا يمكن التعامل معه باعتباره سوقا عاديا، بالنظر إلى صعوبة تقييم المرضى لجودة الخدمات الطبية ومدى ملاءمتها، فضلا عن اعتماد تمويل العلاج على آليات التضامن وتجميع المخاطر.

واعتبر أن المنافسة ينبغي أن تكون وسيلة لتحسين جودة العلاج وتيسير الولوج إليه وتشجيع الابتكار وترشيد استخدام الموارد، وليس غاية في حد ذاتها، داعيا إلى تعزيز الشفافية ومراقبة الممارسات والأسعار، وضمان ملاءمة الخدمات المقدمة مع الحاجيات الصحية الفعلية.

كما دعا عمارة، إلى تطوير البروتوكولات العلاجية، وتعزيز الاتفاقيات مع مهنيي الصحة والمؤسسات العلاجية، واعتماد آليات للتعاقد والتقييم والاعتماد، فضلا عن تنظيم المسار العلاجي بشكل تدريجي ومنسق، تحت إشراف طبيب عام مرجعي يتولى تتبع المريض وتوجيهه نحو مستوى التكفل المناسب.

وأكد أن الهدف ليس تقليص نفقات الصحة بشكل آلي، بل تحسين طريقة إنفاقها، من خلال تعزيز ملاءمة الوصفات الطبية والفحوصات والعلاجات، وتحسين تنظيم التكفل بالمرضى.

تقليص المصاريف الصحية المباشرة على المواطنين

ومن بين التحديات التي توقف عندها عمارة، ارتفاع المصاريف الصحية التي يتحملها المواطنون مباشرة، حتى بعد الاستفادة من التغطية التأمينية.

وأوضح أن هذه المصاريف مثلت خلال سنة 2024 نحو 30 إلى 34 في المائة من التكلفة الفعلية للعلاجات المفوترة، معتبرا أن هذا المستوى يظل مرتفعا وقد يدفع بعض المؤمنين إلى تأجيل علاجات ضرورية أو التخلي عنها.

وربط هذه الوضعية، ضمن عوامل أخرى، بالفجوة بين الأسعار المطبقة في بعض المؤسسات الصحية والتعريفة الوطنية المرجعية، التي لم تخضع لمراجعة شاملة منذ سنة 2006، باستثناء بعض التعديلات اللاحقة.

ودعا إلى مراجعة منتظمة لهذه التعريفة وتعزيز مراقبة احترامها، إلى جانب تحسين تنظيم أسعار الأدوية وتشجيع استعمال الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية عند توفرها.

كما شدد على أهمية تعزيز الإنتاج الوطني للأدوية والمنتجات الصحية الأساسية، وتأمين سلاسل التوريد، ودعم البحث والابتكار، بما يسهم في الحد من التبعية الخارجية وتقوية قدرة البلاد على مواجهة الأزمات الصحية.

الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتحسين الحكامة الصحية

وفي ما يخص الحكامة، أكد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن الإصلاحات المؤسساتية التي أطلقها المغرب تستدعي تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، مع اعتماد مؤشرات عملية لقياس أداء المنظومة الصحية من منظور المواطن.

وأوضح أن تقييم هذا الأداء ينبغي أن يستند إلى معايير ملموسة، تشمل مدة الانتظار للحصول على موعد طبي، والمسافة اللازمة للوصول إلى التخصصات الصحية، والمبالغ التي يتحملها المرضى بعد التعويض، والفوارق المسجلة في جودة الخدمات بين المؤسسات والمناطق.

كما أبرز أهمية تسريع التحول الرقمي، من خلال تطوير الملف الطبي المشترك، واعتماد ورقة العلاج الإلكترونية، وتحسين تبادل البيانات بين الأنظمة المعلوماتية، بما يضمن استمرارية التكفل بالمرضى، ويحد من الفحوصات المتكررة، ويساعد على تحسين تدبير النفقات والحاجيات الصحية.

وأشار أيضا إلى الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص والوقاية وتنظيم المسارات العلاجية، إلى جانب دور الطب عن بعد في تقريب بعض الخدمات والتخصصات من المناطق التي تعاني نقصا في العرض الصحي.

كما أكد عمارة على أن التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل التقدم المحقق في تعميم التغطية الصحية إلى حماية فعلية يستفيد منها المواطنون، مؤكدا أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بقدرة مختلف الفاعلين، من مؤسسات التأمين ومقدمي الخدمات الصحية والهيئات التنظيمية والسلطات العمومية، على ضمان ولوج الجميع إلى العلاج المناسب، في الوقت المناسب، وبجودة مقبولة ودون أن تشكل تكلفته عبئا ماليا يثقل كاهل الأسر.