اقتصادكم-حنان الزيتوني
بين تصاعد انتظارات المغاربة بتحسين أوضاعهم المعيشية، وتزايد الحاجة إلى حلول عملية لأزمة التشغيل، تدخل الحكومة المقبلة مرحلة دقيقة تتطلب قرارات تتجاوز الوعود الانتخابية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. فهل تنجح السلطة التنفيذية الجديدة في كسب رهان الثقة الاجتماعية خلال أشهرها الأولى، أم ستجد نفسها أمام ملفات معقدة تؤجل الاستجابة لانتظارات المواطنين؟
القدرة الشرائية.. أول اختبار أمام الحكومة الجديدة
في اتصال مع موقع "اقتصادكم"، يرى محمد جدري، الخبير الاقتصادي، أن الحكومة المقبلة تجد نفسها منذ الأسابيع الأولى لتنصيبها، أمام مجموعة من القضايا الشائكة التي تستدعي، بحسب تعبيره، "الكثير من الجرأة، والكثير من العمل، والإرادة السياسية"، مشددا على أن ملفين أساسيين يحظيان باهتمام خاص لدى المغاربة، في مقدمتهما القدرة الشرائية التي باتت تشكل أحد أبرز التحديات الاجتماعية المطروحة على الحكومة.
وأوضح جدري أن الفئات محدودة الدخل والطبقة المتوسطة تواجه تراجعا في قدرتها الشرائية، ما يجعل التدخل الحكومي المرتقب محط أنظار واسعة، خصوصا في ما يتعلق بإمكانية الرفع من الحد الأدنى للأجور، ومراجعة الضريبة على الدخل، وتحسين أجور فئات من المواطنين. وتكتسي هذه المطالب أهمية إضافية لكونها حضرت ضمن البرامج الانتخابية لعدد من الأحزاب، الأمر الذي يضع الحكومة أمام امتحان الوفاء بالتزاماتها وتحويلها إلى إجراءات عملية.
رهان التشغيل في مواجهة الانتظارات الاجتماعية
أما الملف الثاني، فيتعلق، وفق الخبير الاقتصادي، بمعضلة البطالة التي تسجل مستويات مرتفعة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة السياسات العمومية التي ستعتمدها الحكومة خلال سنتها الأولى، ومدى قدرتها على جعل التشغيل أولوية فعلية ضمن توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية. فالمطلوب، في هذا السياق، لا يقتصر على إعلان برامج جديدة، بل يمتد إلى تحقيق نتائج ملموسة في مجال خلق فرص الشغل والاستجابة لتطلعات الباحثين عن العمل.
ويضع هذا التحدي الحكومة أمام ضرورة بلورة مقاربة قادرة على الربط بين السياسات الاقتصادية وإحداث فرص عمل مستدامة، بما يسمح بتخفيف الضغط الاجتماعي وتعزيز الثقة في التدبير العمومي. كما أن طريقة التعامل مع ملف البطالة ستشكل أحد المؤشرات الأساسية لقياس نجاعة الخيارات الحكومية، ومدى قدرتها على الانتقال من الخطاب السياسي إلى إجراءات ذات أثر مباشر على المواطنين.
ملفات أخرى تنتظر الحسم
وبالإضافة إلى القدرة الشرائية والتشغيل، أشار جدري إلى أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالتعامل مع ملفات أخرى لا تقل حساسية، من بينها أنظمة التقاعد، والإشكالات المرتبطة بقطاع المحاماة، فضلا عن قضايا أخرى ستفرض نفسها على أجندة السلطة التنفيذية. وتطرح هذه الملفات تحديات متعددة، بالنظر إلى ما تتطلبه من قرارات مدروسة ومقاربات تراعي الأبعاد الاجتماعية والمهنية والاقتصادية.
ويستدعي تدبير هذه القضايا، بحسب طبيعتها، تحديد الأولويات واعتماد آليات للحوار والتشاور، إلى جانب الاستعداد لاتخاذ قرارات قد تكون لها انعكاسات مباشرة على فئات واسعة. ومن ثم، فإن نجاح الحكومة لن يرتبط فقط بقدرتها على الاستجابة للمطالب الآنية، بل أيضا بمدى استعدادها لمعالجة الملفات الهيكلية التي ظلت حاضرة ضمن النقاش العمومي.
السنة الأولى.. المحك الحقيقي لجدية الالتزامات
واستطرد جدري أن السنة الأولى من الولاية الحكومية ستكون حاسمة في تحديد طبيعة المقاربة التي ستعتمدها الحكومة الجديدة في التعامل مع مختلف هذه الملفات، في ظل الحاجة إلى إرادة سياسية واضحة وقدرة فعلية على تنزيل الإصلاحات. فالأشهر الأولى ستكشف مدى استعداد السلطة التنفيذية لترتيب أولوياتها، وتحديد التدابير القابلة للتنفيذ، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة.
وبين مطلب تحسين القدرة الشرائية، وضغط البطالة، وتعقيدات إصلاح أنظمة التقاعد وغيرها من الملفات المهنية، تبدو الحكومة المقبلة أمام اختبار يتجاوز تدبير المرحلة إلى إثبات قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة. وسيظل الرهان الأساسي هو مدى نجاحها في تحويل التعهدات إلى إجراءات يشعر المواطن بأثرها، بما يجعل السنة الأولى محطة لتقييم جدية الاختيارات الحكومية وفعاليتها في مواجهة التحديات المطروحة.