اقتصادكم
تكشف أحدث المعطيات الرسمية أن تركيبة الصادرات المغربية نحو الاتحاد الأوروبي تشهد تحولا لافتا، مع تصدر الآلات ومعدات النقل قائمة المبيعات المغربية إلى السوق الأوروبية، متجاوزة بذلك المنتجات الفلاحية التي ظلت لسنوات من أبرز مكونات التجارة بين الجانبين.
وبحسب بيانات المفوضية الأوروبية، بلغت قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من المغرب من السلع 25,5 مليار أورو خلال سنة 2025، استحوذت الآلات ومعدات النقل منها على 12,9 مليار أورو، أي ما يعادل 50,6 في المائة من إجمالي المشتريات الأوروبية من المملكة. في المقابل، بلغت قيمة المنتجات الفلاحية 3,7 مليارات أورو، بحصة لم تتجاوز 14,6 في المائة.
وتبرز هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الصادرات الصناعية والفلاحية، إذ أصبحت قيمة الآلات ومعدات النقل الموجهة إلى أوروبا تعادل أكثر من ثلاثة أضعاف قيمة المنتجات الزراعية. ويعكس ذلك تنامي حضور الصناعة المغربية داخل السوق الأوروبية وتزايد اندماج المملكة في سلاسل الإنتاج والتوريد الإقليمية.
ويأتي قطاع السيارات ومكوناته في مقدمة هذا التحول، مدعوما بتوسع المنظومة الصناعية في طنجة والقنيطرة، إلى جانب استقرار عدد من المصنعين والمجهزين الدوليين بالمغرب. كما ساهمت صادرات الأسلاك الكهربائية والمكونات الإلكترونية والمقاعد وغيرها من التجهيزات المرتبطة بصناعة السيارات في رفع الوزن النسبي للمنتجات الصناعية داخل الصادرات المغربية.
ويمتد هذا التنويع إلى قطاعات أخرى، من بينها الطيران والإلكترونيات، التي عززت حضورها ضمن منظومة التصنيع الموجه إلى الأسواق الخارجية، مستفيدة من موقع المغرب الجغرافي وقربه من مراكز الإنتاج والاستهلاك الأوروبية، فضلا عن تطور البنيات اللوجستية والمناطق الصناعية.
ورغم تراجع وزنها النسبي أمام المنتجات الصناعية، تواصل المنتجات الفلاحية المغربية الحفاظ على حضور قوي في الأسواق الأوروبية، خصوصا الطماطم والحوامض والفواكه الحمراء والخضروات الطازجة. وقد ساعد القرب الجغرافي وتطور سلاسل التبريد والتلفيف والخدمات اللوجستية، إلى جانب قدرة المصدرين على الاستجابة للمعايير الأوروبية، على ترسيخ موقع هذه المنتجات داخل السوق الموحدة.
وتمنح الأرقام الجديدة بعدا مختلفا للنقاش الذي يرافق الصادرات الفلاحية المغربية في بعض الأسواق الأوروبية، ولا سيما إسبانيا وفرنسا، إذ تظهر المعطيات الرسمية أن المنتجات الزراعية لا تمثل سوى نحو 15 في المائة من إجمالي السلع المغربية التي يشتريها الاتحاد الأوروبي.
ولا يعني انخفاض حصة الفلاحة تراجع أهميتها الاقتصادية، إذ يظل القطاع مصدرا مهما للعملة الصعبة ويوفر فرص عمل واسعة، خصوصا في المناطق القروية، كما يرتبط بشبكة واسعة من الأنشطة تشمل الصناعات الغذائية والتعبئة والتخزين والنقل والخدمات اللوجستية.
وفي المقابل، تعكس هيمنة الآلات ومعدات النقل على الصادرات نحو أوروبا مسار تنويع اقتصادي متواصل، انتقل فيه المغرب تدريجيا من تصدير المنتجات الأولية والفلاحية إلى إنتاج سلع صناعية أكثر اندماجا في سلاسل القيمة الأوروبية.
وعلى مستوى المبادلات الإجمالية، بلغ حجم تجارة السلع بين المغرب والاتحاد الأوروبي 62,2 مليار أورو خلال 2025، منها 36,7 مليار أورو صادرات أوروبية نحو المملكة، مقابل 25,5 مليار أورو من الواردات الأوروبية من المغرب، بما أسفر عن فائض أوروبي قدره نحو 11,2 مليار أورو في تجارة السلع.
وتضع هذه التحولات أمام القطاع الفلاحي المغربي تحديا يتجاوز رفع حجم الصادرات، ليشمل زيادة القيمة المضافة للمنتجات الموجهة إلى الخارج، عبر توسيع التصنيع الغذائي، وتطوير عمليات التثمين، وتعزيز العلامات التجارية المغربية القادرة على الوصول مباشرة إلى المستهلك الأوروبي.