الشطر التاسع والعشرين من الفصل : الشيطان موجود في التفاصيل للرواية أراضي الله

لايف ستايل - 30-03-2024

الشطر التاسع والعشرين من الفصل : الشيطان موجود في التفاصيل للرواية أراضي الله

اقتصادكم

 

المسكين إبراهيم، انتهى به الأمر بتقبل مشيئة الله القاهرة، هو اليوم متعصب أحمق، لا يصافح بيده أحدا، ويتفل كلما شاءت الصدف أن يلتقي وجهه الكريم بوجهي المقرف. 

بلا شك يتذكر عصيانه العظيم لحاميه الجديدᴉ سيخجل من نفسه وهو يصعد خمس مرات في اليوم، ليؤذن للصلاة من أعلى صومعته. كانت أمي ترفض أن أحتك بهذا النوع. لم يكن واضحا بنظرها:" إنه مريض يا بني، يوما ما سينقلب ضدك، كالحياة" هنا كانت على حقᴉ الرجل جعل مني هدفه الأول خلال السنوات التي كنا نقطن فيها نفس الحي. 

كان يقول بأني خادم الشيطان وبأنه يجب أن أحرق حيا، لكي أكون عبرة لأمثالي من الملحدين. " اذهب إلى الجحيم" أقول له كلما بدأ يتمتم بأزاميله وبعض الآيات التي يقصد بها تأليب غضب الأتقياء ضديᴉ لكني لم أكن في متناول يده؛ وإذا ما كان الله موجودا، كان سيفضل وجهي عن وجه ابن العاهرة ذاك، مغتصب الدجاج، الذي يمضي وقته في هش الذباب وممارسة العادة السرية، سيد المنافقين، المعيار المثالي للجبن، ثم إن ماركس وإنجلز كذلك فاشلان مثله لكن هما على الأقل، تمكنا من بلوغ المرمى دونما استسلام. هو كان من فصيلة أولئك الذين يتوقفون طويلا ليتأملوا في الحياة ويفكروا فيها، دون قدرة على منح الحياة لأفكارهم. العابدون الموتى لعقارب الساعة التي تمر على وثيرة الصوت، لكنهم لا يرون من الزمن غير حركة العقارب على المنبه.

 أليست الحياة هي تلك اللعبة التي تزوج فيها الزمن من المكان؟ مثلما كنا نلعب ونحن أطفال، حيث كل منا يختار خطيبته ويقدم لها فروض الإخلاص والمحبة إلى أن يستفيق من سباته الصبياني ليزدلف إلى مرحلة أرقى لمراهق لم يعد يفكر بغير الطلاق. تطليق خطيبته، تطليق أسرته، تطليق الوقت معلقا إياه، لشعوره بثقل الزمن أكثر فأكثر، تطليق المكان الذي ينسحب ويتراجع ويضغط علينا مثل مكبس غير مشمع. وأخيرا يطلق نفسه لأن مرآة الروح تصبح شفافة بحيث تسمح بمرور الصور عبرها دون رقابة، وما تعكسه ليس دائما أجمل.

أحدهم نصحني بأن أذهب لشراء نفس الساندويتش بالتونة، لأني سوف أجد متعة مختلفة وأن حياتي ستمر أمامي ملونة، تذكرني بالطفولة السعيدة والأيام البطولية. لكني بالتأكيد لن أفعل ذلك، قال لي شخص أقدره كثيرا بأنه لا يجب العودة إلى الأماكن حيث كنا سعداء. وأظنه على حق. لماذا نعود إلى أثر الماضي؟ لماذا أحفز الذاكرة على تمرين مرهق؟ لم يكن ليختلف طعم السندويتش هذا عن مذاق قطعة من المادلين أو حصاة خشنة؟ ربما بإمكاني العثور على الماضي في ملامح زميل من أيام الدراسة، أو سيدة عجوز كنت أقبل يدها المباركة كل يوم أو الشيخ البصير الذي يتعرف إلي من مشيي ومن صوت خطواتي على البلاط؟ لكن هل يكفي أن يجد المرء نفسه في الزمن والمكان المجتمعين كي يستعيد ذكرياته؟ أنا بعيد كل البعد عن التفكير في أن الحياة هي بكَرة بالإمكان العودة بها إلى الوراء، إنها اللانهاية. 

وكل لحظة تعاش لا تعود أبدا، وفي ذلك تكمن لا نهائيتها، كل لحظة تمضي هي لحظة من الحياة تستقر في مخبأ كبير يمكن تشبيهه بوعاء مقدس طاهر للحظات الحياة. ومسار الإنسان ليس أكثر أو أقل من مجموع اللحظات التي تمضي، وبعبارة أخرى كلما تقدمنا في الزمن الذي نعيشه، كلما اقتربنا من عمق الحياة، الذي هو مجموع اللحظات البارزة والمنسية والعظيمة والمؤلمة والعاطفية والبائسة والمجيدة والمؤسفة، واللحظات تصبح ذات أهمية من خلال ما تضفيه عليها مخيلتنا، أغمضوا أعينكم، وركزوا على لحظة ما من حياتكم: أول قبلة، أول رمية كرة، أول عراك... ما ترونه ليس تلك اللحظة بالتحديد، لكنها ملامح عنها، تجاعيد التقدم بالعمر، ولو أنها غير محسوسة، لكنها طبعت بالفعل تلك اللحظة التي لا توصف، مما يعني أن الحياة تتجاوز الكلام دائما، الماضي لا معنى له بدون النكهة التي يمنحها إياه الحاضر، الذي يتسربل في تراكم متواصل، والمستقبل ليس أكثر من مجموع المواعيد التي سوف نعيشها، لكنها مشوبة باستمرار بتفاعلات يطبعها ثقل الحاضر. 

يتبع...