بوبريك: استدامة التغطية الصحية تقتضي ضبط النفقات وتعزيز تنظيم القطاع الصحي

الاقتصاد الوطني - 14-10-2026

بوبريك: استدامة التغطية الصحية تقتضي ضبط النفقات وتعزيز تنظيم القطاع الصحي

اقتصادكم – عبد الصمد واحمودو

أكد حسن بوبريك، المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أن المرحلة المقبلة من ورش تعميم التأمين الإجباري عن المرض بالمغرب تقتضي التركيز على نجاعة المنظومة الصحية واستدامتها المالية، من خلال تحسين تنظيم العرض الصحي، وضبط النفقات، وتعزيز آليات المنافسة والتقنين.

وأوضح بوبريك، خلال ندوة نظمها مجلس المنافسة حول المنافسة في قطاع الصحة، اليوم الأربعاء بمراكش، أن تعميم التأمين الإجباري عن المرض يشكل تقدما اجتماعيا تاريخيا تحقق في إطار ورش تعميم الحماية الاجتماعية، تحت قيادة الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن أكثر من 32 مليون شخص أصبحوا مسجلين في أنظمة التأمين الإجباري عن المرض قبل سنة 2027، مقابل نحو 8 ملايين مستفيد سنة 2022 في الأنظمة التي يدبرها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وفق المعطيات التي عرضها خلال مداخلته.

وشدد المدير العام للصندوق على أن التسجيل في أنظمة التأمين لا يعني بالضرورة الاستفادة الفعلية من التغطية الصحية، إذ تظل الاستفادة في بعض الأنظمة مرتبطة بأداء الاشتراكات. وأشار إلى أن أزيد من 11 في المائة من المسجلين توجد حقوقهم في وضعية توقف بسبب عدم الانتظام في أداء الاشتراكات.

وفي هذا السياق، اعتبر بوبريك أن فصل الاستفادة عن أداء الاشتراكات قد يطرح إشكالات تتعلق باستدامة النظام، وقد يشجع بعض المستفيدين على عدم أداء مساهماتهم إلا عند الحاجة إلى العلاج، داعيا إلى مراعاة القدرة على المساهمة عند تحديد الاشتراكات، مع مواصلة تحمل الدولة اشتراكات الفئات الهشة.

وأضاف أن إجراءات الانخراط أصبحت مبسطة ورقمية، وأن خدمات التعويض والتكفل بالعلاج تشكل جزءا أساسيا من الجهود الرامية إلى إنجاح هذا الورش، مبرزا أن الصندوق عمل على تكييف أنظمته المعلوماتية ومساطره وقدراته التدبيرية لمواكبة الارتفاع الكبير في عدد المؤمنين.

ارتفاع النفقات يفرض تحسين تدبير المنظومة

وفي ما يتعلق بالتوازنات المالية، أوضح بوبريك أن توسيع التغطية الصحية أدى بشكل طبيعي إلى ارتفاع الاستهلاك الطبي، وهو تطور يعكس استفادة فئات من السكان من خدمات علاجية لم تكن متاحة لها بالشكل نفسه في السابق.

وأشار إلى أن نفقات التعويضات التي صرفها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بلغت، حسب المعطيات المقدمة في المداخلة، نحو 30 مليار درهم سنة 2027، بزيادة قدرها 17 في المائة مقارنة بسنة 2024. كما سجلت نفقات التعويضات خلال الفترة 2023-2024 ارتفاعا بنسبة 27.7 في المائة، مقابل نمو الموارد بنسبة 17.5 في المائة.

واعتبر أن هذه المؤشرات تبرز حجم الضغط الذي تواجهه المنظومة، مؤكدا أن معالجة الوضع لا يمكن أن تقتصر على البحث عن موارد مالية إضافية، بل تستدعي أيضا التحكم في العوامل المؤثرة في النفقات وتحسين تنظيم الخدمات الصحية.

القطاع العمومي يستحوذ على حصة محدودة من النفقات

وسلط بوبريك الضوء على التفاوت في توزيع نفقات العلاج بين القطاعين العام والخاص، موضحا أن نحو 89 في المائة من نفقات التعويضات المتعلقة بالعلاج في إطار التأمين الإجباري عن المرض الذي يدبره الصندوق تتجه إلى القطاع الخاص، مقابل 11 في المائة للقطاع العمومي.

وأضاف أن استبعاد نفقات الأدوية من الحساب لا يغير كثيرا من هذه الصورة، إذ تظل حصة القطاع الخاص في حدود 83 في المائة، وفق الأرقام التي عرضها.

وأكد أن المطلوب ليس وضع القطاعين العام والخاص في مواجهة بعضهما، بل تعزيز التكامل بينهما، معتبرا أن استدامة نظام صحي شامل تقتضي وجود قطاع عمومي قوي وفعال وقادر على استقطاب الموارد البشرية وتقديم خدمات ذات جودة.

تنظيم سوق الأدوية وترشيد الوصفات الطبية

وفي ما يخص الأدوية، شدد المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على ضرورة ضمان حصول المرضى على العلاجات الضرورية بأسعار تتلاءم مع الموارد المتاحة، من خلال تعزيز تنظيم السوق، وتشجيع الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية، وتقييم القيمة العلاجية للأدوية المبتكرة بشكل دقيق.

كما دعا إلى ضمان منافسة سليمة وشفافة في قطاع الصناعات الدوائية، بما يساهم في تحسين الولوج إلى العلاج والتحكم في النفقات.

وبخصوص الممارسات الطبية، أوضح بوبريك أن آليات التعويض القائمة على أداء مقابل كل وصفة أو إجراء طبي لا تشجع دائما على التنسيق بين المتدخلين أو تحسين المسار العلاجي، داعيا إلى تطوير مسارات علاجية منسقة، وتعزيز دور الطبيب المعالج، وتسريع إعداد بروتوكولات علاجية تستند إلى الأدلة العلمية وتحترم المسؤولية الطبية.

وأكد أيضا أهمية الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض المزمنة ومواكبة المرضى، مشيرا إلى أن الإطار القانوني الجديد أتاح للتأمين الإجباري عن المرض إمكانية تمويل بعض أنشطة الوقاية، وهو ما من شأنه المساهمة في تقليص النفقات المستقبلية والحفاظ على صحة المواطنين.

تقنين فعال لضمان المنافسة وجودة العلاج

وفي محور المنافسة، اعتبر بوبريك أن قطاع الصحة يختلف عن الأسواق التقليدية، بالنظر إلى عدم تكافؤ المعلومات بين المرضى ومقدمي الخدمات، ودور الوصفات الطبية في توجيه الطلب، واعتماد التمويل جزئيا على التضامن.

وأوضح أن المنافسة يمكن أن تحفز الابتكار وتحسين الكفاءة، لكنها لا تضمن وحدها الأداء الأمثل للمنظومة، ما يستدعي وجود تنظيم قوي ومستقل يستند إلى معايير موضوعية.

ودعا إلى تحيين تصنيفات الأعمال الطبية وقوائم الأدوية القابلة للتعويض، واعتماد مساطر تقييم شفافة وسريعة تتيح الاستفادة من الابتكارات التي تحقق قيمة علاجية حقيقية، دون تمويل كل مستجد طبي بصرف النظر عن فائدته.

كما شدد على ضرورة مواكبة ارتفاع الطلب على العلاج بتخطيط مجالي أفضل للبنيات الصحية وتوزيع أكثر توازنا للمهنيين، مع تعزيز التنافس على أساس جودة العلاج وسلامة المرضى وملاءمة الإجراءات الطبية والنتائج المحققة.

وحذر من أن الفوترة المبالغ فيها والإجراءات الطبية غير المبررة وأشكال الغش، متى ثبتت، يمكن أن تضر بالتوازنات المالية للمنظومة وبثقة المؤمنين، داعيا إلى الاستفادة من الرقمنة وتحليل بيانات التعويضات والذكاء الاصطناعي لتعزيز المراقبة وتوجيه عمليات التدقيق.

دور محوري للهيئة العليا للصحة

وفي ما يتعلق بالحكامة، أبرز بوبريك الدور المنتظر للهيئة العليا للصحة في منظومة التقنين الجديدة، مؤكدا أن إحداث مؤسسة تنظيمية لا يكفي في حد ذاته، بل ينبغي تمكينها من الموارد البشرية والتقنية والمالية اللازمة للاضطلاع بمهامها.

وشدد على ضرورة الجمع بين الدقة العلمية وسرعة اتخاذ القرارات، محذرا من أن التأخر في تحيين التعريفة الوطنية المرجعية أو تقييم الأدوية وإعداد البروتوكولات العلاجية قد يؤثر على الولوج إلى الخدمات، ويرفع التكاليف المتبقية على المؤمنين، ويؤدي إلى تفاوت الممارسات الطبية.

كما دعا إلى تعزيز التنسيق وتبادل المعطيات بين الهيئة العليا للصحة والهيئات المدبرة للتأمين والسلطات المعنية، في إطار احترام حماية البيانات الشخصية، بما يسمح بتحسين القرارات وقياس أثر السياسات الصحية.

وأشار المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى أن التحدي لم يعد مقتصرا على توسيع التغطية الصحية، بل أصبح مرتبطا بقدرة المنظومة على ضمان استدامتها المالية وتحقيق الفعالية في تقديم الخدمات، مؤكدا أن الحفاظ على التوازنات لا يمكن أن يتحقق عبر التعويضات وحدها، بل يتطلب إصلاحا متكاملا يشمل تنظيم العرض الصحي والأسعار والممارسات الطبية وجودة العلاج.