اقتصادكم
تتجه الشراكة الزراعية بين المغرب وألمانيا نحو التركيز بشكل أكبر على نقل التكنولوجيا والخبرات وتطوير أصناف قادرة على التأقلم مع التحولات المناخية، في وقت يواجه فيه القطاع الفلاحي المغربي ضغوطا متزايدة مرتبطة بالإجهاد المائي وارتفاع درجات الحرارة وتغير ظروف الإنتاج.
وتبرز تجربة شركة KWS في المغرب هذا التوجه، من خلال تطوير واختبار أصناف زراعية في مناطق تختلف من حيث المناخ والتربة والموارد المائية، بهدف تحديد مدى ملاءمتها للظروف المحلية وتحسين مردودية الإنتاج. وتشمل هذه التجارب، إلى جانب الشمندر السكري، الذرة العلفية والحبية والكلزا والذرة الرفيعة وبذور الخضروات.
وفي هذا السياق، قال محمد حدوش، المسؤول الجهوي لدى KWS Maroc، إن الشركة تعمل منذ سنوات على نقل التجربة الألمانية إلى المغرب، من خلال اختبار أصناف تتلاءم مع الظروف المناخية المحلية، مشيراً إلى أن التجربة تشمل مختلف السلاسل الإنتاجية، من الذرة والشمندر السكري والنباتات الزيتية إلى الخضروات وبذورها.
وأوضح حدوش، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن هذا العمل يمتد على مدى عشر سنوات، مع تركيز خاص على الشمندر السكري والذرة العلفية المخصصة للسيلاج، مبرزاً أن نقل الخبرة لا يتم بمعزل عن الظروف المغربية، وإنما يقوم على اختبار الأصناف وتكييفها مع خصوصيات كل منطقة.
وتتجسد هذه المقاربة بشكل خاص في تجربة أجريت مع إحدى أكبر تعاونيات إنتاج الحليب في منطقة العيون الساقية الحمراء، حيث تم اختبار أصناف جديدة من الذرة العلفية في ظروف إنتاجية صعبة، اتسمت بارتفاع درجات الحرارة وقوة الرياح وارتفاع ملوحة التربة ومياه الري.
وقال حدوش إن التجربة مكنت، بفضل العمل المشترك بين الخبراء والمهندسين المغاربة ونقل الخبرة الألمانية، من تحقيق نتائج مشجعة في إنتاج السيلاج بالمنطقة، معتبراً أن هذه التجربة تبرز أهمية تطوير أصناف قادرة على تحمل الظروف المناخية والمائية الصعبة.
وتندرج هذه التجربة ضمن نشاط أوسع للشركة في المغرب، التي يعود حضورها الأول في المملكة إلى سنة 2007، قبل أن تتخذ بنيتها الحالية سنة 2016. ومنذ ذلك الحين، وسعت KWS نطاق أنشطتها لتشمل عدداً من المناطق الزراعية، من سوس ماسة وتادلة ودكالة والغرب إلى جهة الساقية الحمراء وادي الذهب.
وتكتسب هذه التجارب أهمية اقتصادية في ظل التحديات التي تواجه الإنتاج الفلاحي، إذ لم يعد تحسين المردودية مرتبطاً فقط بتوفير المدخلات الزراعية، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة الأصناف على التأقلم مع ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة وملوحة التربة والمياه.
وفي هذا الإطار، يشكل البحث والتطوير أحد محاور نشاط المجموعة، التي تخصص، وفق المعطيات المقدمة، نحو 350 مليون يورو سنوياً للبحث والتطوير، بما يعادل حوالي 20.8 في المائة من رقم معاملاتها خلال السنة المالية 2024/2025.
وتتزامن هذه الدينامية مع تطور التعاون الاقتصادي المغربي الألماني، الذي يشمل إلى جانب المبادلات التجارية مجالات الزراعة المستدامة والماء والتكوين والابتكار والرقمنة. كما تكتسب التكنولوجيا الزراعية أهمية متزايدة في ظل الحاجة إلى رفع كفاءة استخدام الموارد وتحسين القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
وبالنسبة للمغرب، فإن الرهان لا يرتبط فقط باستقدام أصناف أو تقنيات جديدة، بل بمدى القدرة على تحويل الخبرة الأجنبية إلى حلول قابلة للتطبيق داخل البيئات الزراعية المحلية، من خلال التجريب والتكوين ونقل المعرفة وتطوير الكفاءات.
وتبرز تجربة KWS في منطقة العيون، في هذا السياق، كحالة تطبيقية لاختبار قدرة الابتكار الزراعي على الاستجابة لظروف إنتاج تختلف بشكل كبير عن المناطق الفلاحية التقليدية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالحرارة والرياح وملوحة المياه والتربة.
وتحتفي KWS خلال سنة 2026 بمرور 170 سنة على تأسيسها في ألمانيا وعشر سنوات على حضورها بصيغتها الحالية في المغرب، في سياق تسعى فيه الشركة إلى إبراز مسار نشاطها في المملكة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول زراعية أكثر تكيفاً مع التحولات المناخية والقيود المرتبطة بالموارد الطبيعية.
وتعكس هذه التجارب اتجاهاً أوسع في التعاون المغربي الألماني، ينتقل تدريجياً من المبادلات التجارية والاستثمار إلى مجالات نقل التكنولوجيا والبحث التطبيقي والابتكار، بما يفتح المجال أمام تطوير حلول تستجيب بشكل مباشر للتحديات التي تواجه الإنتاج الفلاحي المغربي.