اقتصادكم
تراهن جهة الشرق على تثمين مؤهلاتها الطبيعية ومنتجاتها المحلية لتعزيز جاذبيتها السياحية والاقتصادية، في وقت تستعد فيه مدينة الناظور لمرحلة جديدة من التنمية مع اقتراب دخول مشاريع مهيكلة حيز الاستغلال. وفي هذا السياق، تتحول فنون الطهي إلى إحدى الأدوات للتعريف ببحيرة مارشيكا ومنتجات المنطقة، وربطها بشبكة أوسع من المهنيين والزوار والمهتمين بالسياحة المستدامة.
ويأتي تنظيم الفصل السادس من تظاهرة تلامذة إسكوفير المغرب، خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 11 أكتوبر الجاري بمارشيكا، تحت شعار "اكتشاف جوهرة مارشيكا: عندما تكشف فنون الطهي عن منطقة استثنائية"، بمشاركة نحو 35 طاهياً من المغرب وخارجه، و30 منتجا، إلى جانب حوالي 300 ضيف ومسؤول و45 صحفيا ووسيلة إعلام.
ولا يقتصر الرهان على الجانب الاحتفالي للتظاهرة، إذ يسعى المنظمون إلى توظيف فنون الطهي كوسيلة للترويج للمنطقة ومنتجاتها، خصوصاً المنتجات البحرية ومكونات المطبخ المتوسطي، مع نقل صورة مارشيكا إلى جمهور دولي من المهتمين بالطهي والسياحة المستدامة.
وتشكل بحيرة مارشيكا إحدى أبرز المؤهلات الطبيعية للناظور، إذ تمتد على طول 25 كيلومترا من الساحل المتوسطي، وتصنف ضمن مواقع رامسار والمواقع ذات الأهمية البيولوجية والبيئية. كما تتميز بمنظومة بيئية تستقبل آلاف الطيور المهاجرة سنويا، إلى جانب الشريط الساحلي والكثبان والجبال المحيطة بها.
ويحاول هذا الموعد الجمع بين هذا الرصيد الطبيعي والمنتجات المحلية، من خلال تحويل المائدة إلى مساحة للتعريف بالمنطقة ومؤهلاتها الاقتصادية والسياحية. ويعكس ذلك توجهاً نحو تنويع أدوات التسويق الترابي، بحيث لا تقتصر جاذبية الوجهة على المشهد الطبيعي، وإنما تمتد إلى الثقافة والمنتجات المحلية وفنون الطهي.
وفي هذا الإطار، قال الشيف لحسن حفيظ، رئيس تلامذة إسكوفير المغرب، إن فن الطهي يشكل إحدى الوسائل للتعريف بغنى المناطق وإبراز ثرواتها، مشيراً إلى أن مارشيكا تتوفر على مؤهلات استثنائية لم تحظ بعد بالانتشار الكافي، وأن التظاهرة تهدف إلى تعريف العالم بجمال المنطقة ومنتجاتها والمواهب التي تزخر بها.
ويأخذ البعد الاقتصادي للتظاهرة بعدا إضافيا من خلال إشراك نحو 30 منتجاً، بما يتيح ربط الطهاة والمهنيين بالمنتجات المحلية وإبراز إمكاناتها في سلاسل القيمة المرتبطة بالسياحة والمطاعم والضيافة. كما يفتح هذا النوع من المبادرات المجال أمام تعزيز حضور المنتجات المحلية في العرض السياحي والتعريف بها خارج المنطقة.
ويحتل تأهيل الموارد البشرية بدوره موقعاً محورياً في البرنامج، من خلال مسابقة "المواهب الشابة لإسكوفير"، التي ستنظم في الهواء الطلق قبالة بحيرة مارشيكا بمشاركة ما بين 15 و20 شابة وشاباً من مختلف جهات المملكة. وتهدف المسابقة إلى اكتشاف طهاة المستقبل وتشجيع الابتكار وتثمين المنتجات المحلية، بالتوازي مع نقل الخبرات بين الطهاة ذوي التجربة والجيل الجديد.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة للناظور، في ظل الدينامية التي تعرفها المدينة والمنطقة، واقتراب افتتاح الميناء الجديد، وما يمكن أن يرافق ذلك من تطور في الحركة الاقتصادية والسياحية وارتفاع الطلب على الكفاءات في مجالات الضيافة والمطاعم والخدمات المرتبطة بالسياحة.
ومن هذه الزاوية، لا يرتبط تطوير الوجهة السياحية فقط بالبنيات التحتية والاستثمارات، وإنما أيضاً بقدرة المنطقة على توفير عرض متكامل يجمع بين المؤهلات الطبيعية والخدمات والمنتجات المحلية والكفاءات البشرية. ويشكل الطهي أحد المكونات التي يمكن أن تساهم في بناء هذا العرض، خصوصاً بالنسبة لوجهة متوسطية مثل مارشيكا.
وتحمل الدورة الحالية بعدا دوليا إضافيا، لكونها تنظم في إطار الاحتفال بالذكرى الـ180 لميلاد أوغست إسكوفير، حيث سيقام عشاء "إيبيكور" الدولي بمشاركة وفود تلامذة إسكوفير من عدة قارات، تحت شعار "العالم على مائدة واحدة"، بما يمنح المغرب ومنطقة مارشيكا فرصة إضافية للتعريف بمطبخهما ومنتجاتهما أمام جمهور دولي.
كما تراهن التظاهرة على إبراز البعد البيئي للمنطقة، في انسجام مع توجهات التنمية المستدامة التي تشمل استعادة النظام البيئي لبحيرة مارشيكا، وإعادة التشجير وحماية الأنظمة البيئية والحد من التلوث. ويمنح الجمع بين السياحة والطهي والبيئة للوجهة إمكانية بناء صورة تقوم على تثمين الموارد المحلية مع الحفاظ عليها.
وتكشف هذه الدينامية عن تحول متزايد في طريقة تسويق الوجهات، حيث أصبحت التجربة المحلية والمنتجات الأصيلة وفنون الطهي عناصر اقتصادية موازية للمؤهلات الطبيعية. وبالنسبة لمارشيكا، يمكن أن يشكل هذا الربط بين الطبيعة والطهي والكفاءات وسيلة لتعزيز حضور الناظور على الخريطة السياحية، وربط المؤهلات المحلية بفرص اقتصادية لفائدة المنتجين والمهنيين والشباب.
وبذلك، يتجاوز "اكتشاف جوهرة مارشيكا" حدود تظاهرة طهوية عابرة، ليطرح رهانا أوسع يتعلق بكيفية تحويل الرصيد الطبيعي والثقافي والغذائي للمنطقة إلى قيمة اقتصادية، خصوصاً في مرحلة تراهن فيها الناظور على مشاريع جديدة لتعزيز موقعها ضمن الخريطة الاقتصادية والسياحية للمملكة.