ما بين التأجيل وتحديد المسار.. ما مدى واقعية تنفيذ أنبوب الغاز المغربي النيجيري ؟

ملفات خاصة - 29-05-2024

ما بين التأجيل وتحديد المسار.. ما مدى واقعية تنفيذ أنبوب الغاز المغربي النيجيري ؟

اقتصادكم - سعد مفكير

 

ما بين تأجيل قرار الاستثمار النهائي، ونهاية الدراسات الأولية، تتضارب الأنباء حول مستقبل  أنبوب الغاز المغربي النيجيري، الذي يراهن المغرب على نجاحه، على الرغم من صعوبة تنفيذه المرتبطة بأبعاد متعددة، خاصة على المستوى التمويل.

وكشفت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، انتهاء معظم دراسات الجدوى والدراسات التصميمية الهندسية، وكذا تحديد المسار الأمثل للأنبوب الذي سيتم ربطه بأنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، بينما تتواصل الدراسات التقييمية الميدانية ودراسة الأثر البيئي والاجتماعي، مشيرة إلى أن سعة هذا المشروع ستبلغ 30 مليار متر مكعب سنويا من الغاز الطبيعي، فيما يقدر الغلاف الاستثماري الإجمالي بنحو 25 مليار دولار أمريكي.

هذا الاستثمار الضخم يطرح تساؤلات عديدة حول إمكانية تنفيذه، خاصة أنه سيربط 13 دولة في غرب أفريقيا، من بين هذه التساؤلات مدى واقعية تنفيذ هذا المشروع الضخم خاصة صعوبة الأبعاد التقنية، والمالية، والتجارية، إضافة إلى السياسية.. أسئلة يجيب عنها عبد الصمد الملاوي، الخبير في الطاقات المتجددة، في حوار مع موقع "اقتصادكم":

- ما بين تأجيل قرار الاستثمار النهائي، ونهاية الدراسات الأولية، ما مدى واقعية تنفيذ هذا المشروع الضخم خاصة صعوبة الأبعاد التقنية، والمالية، والتجارية، إضافة إلى السياسية؟

بالفعل يعتبر مشروع أنبوب الغاز النيجيري الأوروبي، الذي يمر عبر المغرب، من بين أكثر المشاريع الطاقية طموحاً في القارة الإفريقية. مع تأجيل قرار الاستثمار النهائي ونهاية الدراسات الأولية، تثار تساؤلات حول مدى واقعية تنفيذ هذا المشروع الضخم في ظل التحديات التقنية، المالية، التجارية، والسياسية. 

فأولا هذا التأخير هو طبيعي وعادي لمثل هكذا مشاريع ضخمة ومتعددة الاطراف وذات بعد استراتيجي سواء بالنسبة لافريقيا او لاوروبا وكذلك للاقتصاد العالمي. وهذا التأخير عن الاعلان النهائي للمستثمرين النهائيين بهذا المشروع ما هو إلا تأجيل لوقت قليل لبضع أسابيع أو أشهر على أكبر تقدير. يلازم تنفيذ هذا المشروع عدة تحديات وإكراهات لعل أبرزها :

1- التحديات التقنية: فالتضاريس مثلا والبنية التحتية تعدان من التحديات الكبرى، حيث يمتد الأنبوب على مسافة تتجاوز 5000 كيلومتر، مما يجعله يمر عبر تضاريس متنوعة وصعبة. وبناء البنية التحتية اللازمة لنقل الغاز عبر هذه المسافات الطويلة يتطلب تقنيات متقدمة لمواجهة هذه التحديات الجغرافية. هذا بالإضافة إلى البنية التحتية التكميلية، فمن الضروري تطوير بنية تحتية موازية مثل محطات التوزيع وخطوط الربط مع شبكات الغاز المحلية في الدول الممر لضمان تنفيذ المشروع بسلاسة تعتبر ضرورية للمشروع.

2- تحدي الصيانة والمراقبة من أجل الحفاظ على سلامة الأنبوب، وهذا يتطلب أنظمة مراقبة متطورة للكشف عن أي تسريبات أو أضرار في الوقت المناسب والحقيقي. 

3- التأثيرات البيئية: يعتبر التحدي البيئي من العوامل المهمة لتفعيل هذا المشروع وخصوصا أن أجزاء مهمة منه سيمر عبر المحيط الأطلسي والذي بموجبه يجب مراعات واحترام الاتفاقيات الدولية الحفاض على الحياة الإحيائية بالمحيطات، مما يتطلب إجراءات صارمة للحد من تأثيراته البيئية. هذا يشمل إعادة تأهيل المناطق المتضررة واستخدام تقنيات تقلل من انبعاثات الكربون.

4- التحديات المالية في المشروع ضخمة حيث تقدر تكلفته بنحو 25 مليار دولار. وتأمين هذا التمويل يتطلب جهداً كبيراً من قبل الحكومات والشركات والمؤسسات المالية الدولية. و قد يدفع الحكومات المعنية للتفكير في إصدار سندات خاصة بالمشروع أو اللجوء إلى الشراكات بين القطاعين العام والخاص لجمع الأموال اللازمة. بالإضافة إلى وجود تحدي إدارة التكاليف الخاصة بسيرورة المشروع، فمن الضروري وضع خطط دقيقة لإدارة التكاليف وتجنب تجاوز الميزانية وتتبع التكاليف والأداء الزمني.

5- التحديات التجارية: فالنجاح التجاري للمشروع يعتمد بشكل كبير على الطلب المستدام على الغاز. حيث يجب تأمين عقود طويلة الأمد مع الدول الأوروبية المستهلكة للغاز، مثل إسبانيا وإيطاليا، لضمان العائد المالي. وهو بالفعل ما قام به المغرب مؤخرا، حيث نجح في ضمان شريك اوروبي موثوق لشراء كل الكميات المنقولة إلى أوروبا عبر هذا الأنبوب.

6- تحدي التنافسية: القدرة على تقديم الغاز بأسعار تنافسية مقارنة بالبدائل الأخرى مثل الغاز المسال أو مصادر الطاقة المتجددة تشكل تحدياً إضافياً لهذا المشروع. ويعد السعر التنافسي عاملاً حاسماً في جذب العملاء.

7- التحديات السياسية والأمنية: المشروع يمر عبر عدة دول، مما يجعله عرضة للتحديات السياسية. أي اضطرابات في إحدى الدول الممر قد تعطل المشروع. على سبيل المثال، الاضطرابات السياسية في دول مثل نيجيريا أو مالي قد تؤثر سلباً على تنفيذ المشروع. فنجاح هذا المشروع يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الدول الممر لضمان تنفيذ سلس. ويمكن للتعاون الإقليمي في إطار منظمات مثل الاتحاد الإفريقي وتكتلات أخرى أن يكون حاسماً في هذا الجانب. بالإضافة إلى ضرورة تأمين دعم دولي للمشروع من قبل دول ومنظمات مثل الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي يمكن أن يساهم في استمرارية المشروع ونجاحه.

- 30 مليار متر مكعب سنويا واستثمار بنحو 25 مليار دولار .. كيف سيساهم هذا المشروع في تغيير الخريطة الطاقية للمغرب وإفريقيا؟

فيما يخص تأثير المشروع على الخريطة الطاقية للمغرب وإفريقيا، فتأثيره على المغرب سيمكنه من تنويع مصادر الطاقة ويساير الإستراتيجية الطاقية الوطنية التي ترتكز على تنويع المصادر واستبدال المصادر الأكثر تلوثا كالنفط والفحم الحجري بأخرى أقل تلوثا. وسيساهم الغاز الطبيعي بلا شك في توفير مصدر جديد للطاقة، مما يساعد في تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية الاكثر تلوثا والتي لا زال المغرب يستعملها بشكل مهم وخصوصا في توليد الكهرباء. كما يمكن هذا المشروع من تحسين البنية التحتية للطاقة في المغرب، بما في ذلك تطوير شبكات الغاز المحلية ومخططات التخزين واللوجيستك المرافق لذلك. و من المتوقع ايضا أن يوفر المشروع فرص عمل جديدة ويعزز النمو الاقتصادي من خلال تعزيز الصناعات المرتبطة بالطاقة.

أما تأثيره على إفريقيا فسيكون كذلك مهما ومباشرا، حيث يمكن من تحسين الوصول إلى الطاقة للدول الأفريقية التي يمر منها وكذلك لشركائهم، مما يساعد في تحقيق التنمية المستدامة للمواطن الافريقي الذي يعاني كثيرا من الفقر والهشاشة والبطالة. كما سيمكن هذه الدول من الحصول على الطاقة بأسعار معقولة يمكن أن يعزز التنمية الاقتصادية من خلال تقليل تكاليف الإنتاج وتشجيع الاستثمار الأجنبي.