الغازوال يتجاوز 16 درهما.. إلى أين تمضي الأسعار في المغرب؟

التحليل والرأي - 07-10-2026

الغازوال يتجاوز 16 درهما.. إلى أين تمضي الأسعار في المغرب؟

 

اقتصادكم-حنان الزيتوني

 

لم يعد سؤال أسعار الغازوال في المغرب مجرد حديث عن أرقام تتغير عند محطات الوقود، بل تحول إلى سؤال أكبر يتعلق بكلفة الخيارات الاقتصادية والسياسية التي اتخذها المغرب خلال السنوات الماضية. فبينما ينتظر الرأي العام ملامح الحكومة الجديدة وأولوياتها الاقتصادية، يعود ملف تكرير النفط إلى الواجهة، ومعه سؤال يبدو أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل كان بإمكان المغرب تفادي جزء من فاتورة ارتفاع أسعار المحروقات لو ظلت مصفاة سامير في الخدمة؟

الجدل لا يرتبط فقط بمستوى الأسعار في السوق الوطنية، وإنما يمتد إلى طبيعة النموذج الذي يحكم سوق المحروقات، وحدود المنافسة، ومدى قدرة الدولة على تأمين مخزونها وحاجياتها من المنتجات النفطية في ظل عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة.

 

الغازوال.. فاتورة ثقيلة على المغاربة

 

يحتل الغازوال موقعا حساسا في الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالنقل والنشاط الصناعي والفلاحي والخدمات اللوجستية. ولذلك، فإن ارتفاع سعره لا يتوقف أثره عند صاحب السيارة أو المهني الذي يستهلكه، بل ينتقل تدريجيا إلى كلفة نقل السلع والخدمات، ومن ثم إلى أسعار عدد واسع من المنتجات.

وفي ظل انتظار تشكيل الحكومة الجديدة، تبدو قضية المحروقات مرشحة لتكون واحدة من الملفات التي ستختبر قدرة السلطة التنفيذية على تحقيق التوازن بين منطق السوق وضرورة حماية القدرة الشرائية للمواطنين.

فالحكومة المقبلة لن ترث فقط سؤال سعر اللتر، وإنما ستواجه إرثا أثقل: كيف يمكن بناء سوق للمحروقات أكثر تنافسية وأقل هشاشة أمام الصدمات الخارجية؟

 

"سامير".. الخسارة التي تعود إلى الواجهة

 

وفي قلب هذا النقاش، يحضر اسم شركة سامير، المصفاة الوحيدة لتكرير البترول في المغرب، التي توقفت عن الإنتاج منذ سنوات، بينما استمر المغرب في الاعتماد على واردات المنتجات النفطية المكررة لتلبية حاجيات السوق.

ويرى الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، أن استمرار توقف المصفاة يمثل خسارة اقتصادية كبيرة، خصوصا في ظل ارتفاع هوامش تكرير النفط عالميا.

وقال اليماني في اتصال مع موقع "اقتصادكم" أنه: "في حالة التشغيل الكامل، يمكن لإنتاج شركة سامير المغربية، أن يصل لأكثر من 4 مليار ليتر سنويا من الغازوال (الدييزيل)، بالإضافة للمشتقات البترولية الأخرى من البنزين ووقود الطائرات والفيول الصناعي واسفلت الطرقات".

وذهب اليماني إلى أبعد من ذلك في تقدير الكلفة الاقتصادية لتعطيل التكرير، معتبرا أن ارتفاع هوامش التكرير إلى مستويات قياسية، ومنها نحو 6 دراهم في الغازوال، كان يمكن أن يمنح المصفاة قدرة كبيرة على تحقيق عائدات في حال عودتها إلى الإنتاج.

وبحسب حساباته، فإن إنتاج 4 مليارات لتر من الغازوال بهامش تكرير يقارب 6 دراهم للتر كان سيعني، نظريا، 24 مليار درهم سنويا من هامش التكرير للغازوال وحده، وهو رقم يقارنه اليماني بقيمة طرح الشركة للبيع القضائي منذ 2016، المقدرة بـ21 مليار درهم.

وهنا تبرز المفارقة التي يريد اليماني وضعها في قلب النقاش: قيمة هامش التكرير المحتمل خلال عام واحد، وفق هذه الفرضية، تتجاوز قيمة الشركة التي كانت معروضة للبيع.

 

من يتحمل مسؤولية «الخسارة»؟

 

بالنسبة إلى اليماني، لا يتعلق الأمر بمجرد خسارة تجارية، بل بما يعتبره خسارة للاقتصاد الوطني نتيجة استمرار تعطيل نشاط التكرير.

 

ويقول إن المغرب أصبح أمام "أكبر خسارة يتعرض لها الاقتصاد الوطني"، محملا المسؤولية لمن ساهم، بحسب تعبيره، في ما وصفه بـ"الخراب المبين"، بدءا من ظروف خوصصة الشركة، مرورا بما يعتبره "التفالس المدبر"، وصولا إلى تعامل الحكومات المتعاقبة مع ملف المصفاة.

وهذه القراءة، بطبيعة الحال، تمثل موقفا نقابيا وسياسيا من ملف معقد، ولا يمكن اختزاله في معادلة سعر الغازوال وحدها. فعودة المصفاة إلى العمل ترتبط أيضا بوضعيتها القانونية والمالية والتقنية، وبكلفة إعادة التشغيل والاستثمار، وبالقدرة على ضمان استمرارية نشاطها في سوق دولية شديدة التقلب.

لكن ذلك لا يلغي جوهر السؤال الذي يطرحه الملف: هل كلفة استمرار التوقف أصبحت أعلى من كلفة إعادة بناء قدرة وطنية على التكرير؟

 

الحكومة الجديدة أمام اختبار المحروقات

انتظار تشكيل الحكومة الجديدة يضيف بعدا سياسيا إلى هذا النقاش. فملف المحروقات ظل خلال السنوات الماضية واحدا من أكثر الملفات حساسية، سواء بسبب تأثير الأسعار على القدرة الشرائية، أو بسبب الجدل حول المنافسة وهوامش الربح، أو بسبب تداعيات توقف سامير.

والرهان اليوم لا ينبغي أن يقتصر على البحث عن إجراءات ظرفية لخفض الأسعار، بل يتطلب، بحسب منتقدي الوضع الحالي، إعادة التفكير في الأمن الطاقي للمغرب.

ويعتبر اليماني أن التطورات الدولية والحروب والتنافس العالمي على مصادر الطاقة تفرض، في نظره، اتخاذ قرار سياسي كبير، يبدأ باستئناف تكرير البترول في المغرب "بكل الصيغ الممكنة"، إلى جانب البحث عن وسائل لتأمين حاجيات البلاد من المنتجات النفطية وربط ذلك بالقدرة الشرائية للمغاربة.

 

بين منطق السوق ومنطق السيادة الطاقية

المعضلة الأساسية تكمن في أن المغرب يتحرك داخل سوق عالمية لا يتحكم في أسعارها. وبالتالي، فإن انخفاض أو ارتفاع الأسعار الدولية ينعكس بدرجات مختلفة على السوق الوطنية.

لكن الاعتماد شبه الكامل على المنتجات المكررة المستوردة يفتح نقاشا آخر يتعلق بالمرونة والأمن الطاقي. فوجود قدرة محلية على التكرير لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار تلقائيا، لكنه قد يمنح الدولة والاقتصاد الوطني هامشا إضافيا في مواجهة اضطرابات الإمدادات وتقلبات الأسواق.

وفي المقابل، فإن إعادة تشغيل مصفاة بحجم سامير تحتاج إلى رؤية واضحة بشأن التمويل والاستثمار والحكامة والقدرة التنافسية، حتى لا تتحول العودة إلى التكرير إلى حل مؤقت يعيد إنتاج الأزمة نفسها.

 

"الدعم" ليس جوابا دائما

وفي هذا السياق، ينتقد اليماني استمرار الدعم الاستثنائي لبعض المهنيين، معتبرا أنه لم يعد مبررا في ظل استمرار العمل بقانون المنافسة وحرية الأسعار، بينما يواجه المستهلكون والمهنيون أسعارا مرتفعة للغازوال.

وهنا تبرز إشكالية أعمق: هل ينبغي للدولة أن تتدخل في الأسعار بشكل مباشر، أم أن عليها التركيز على إصلاح بنية السوق؟

الإجابة ليست بسيطة. فالدعم قد يوفر متنفسا مؤقتا لبعض القطاعات، لكنه لا يعالج جذور المشكلة. أما تعزيز المنافسة وتأمين الإمدادات ورفع كفاءة التخزين وإعادة النظر في مستقبل التكرير، فهي خيارات تحتاج إلى وقت وقرارات سياسية واستثمارات كبيرة.

 

السؤال الذي ينتظر الحكومة

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: كم سيبلغ سعر الغازوال في المحطة؟ بل: لماذا أصبح المغرب شديد الحساسية تجاه كل تقلب في سوق المحروقات العالمية؟

ذلك أن أزمة الأسعار تكشف أزمة أوسع تتعلق بنموذج تأمين الطاقة، ومستوى المنافسة، ومستقبل التكرير، وقدرة الدولة على حماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية.

وبينما يستعد المغرب لمرحلة سياسية وحكومية جديدة، يعود ملف سامير ليطرح نفسه بقوة. فالمطلوب هذه المرة، بحسب أصوات نقابية وسياسية واقتصادية، ليس مجرد تدبير سعر الغازوال عند كل موجة ارتفاع، وإنما اتخاذ قرار استراتيجي بشأن مستقبل التكرير والأمن الطاقي.