اقتصادكم
كشف الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية ونائب رئيس الفيدرالية الوطنية للصحة، عن تسجيل بؤرتين عائليتين للإصابة بالدفتيريا في جهة سوس-ماسة، إحداهما بعمالة أكادير إداوتنان والثانية بإقليم اشتوكة آيت باها، وذلك بعد أكثر من ثلاثة عقود من الغياب شبه التام للمرض عن المغرب.
وأوضح حمضي في أخر مقالاته التحليلية التي اطلع موقع "اقتصادكم" عليها، أن المعطيات الصحية المعلنة في 28 شتنبر 2026 تؤكد مخبريا إصابة حالة واحدة، فيما توجد ثماني حالات أخرى قيد التحري، من بينها حالتا وفاة، مشددًا على أهمية التمييز بين الحالات المؤكدة وتلك التي لم تحسم نتائج فحوصاتها بعد.
وقال إن المعطيات الأولية تشير إلى أن الأطفال المعنيين إما لم يتلقوا اللقاح ضد الدفتيريا أو لم يستكملوا الجرعات الموصى بها، معتبرًا أن وجود بؤرتين عائليتين يكتسي أهمية وبائية خاصة، لأنه يدل، في الحد الأدنى، على انتقال العدوى داخل المحيط القريب للحالات، في انتظار أن تكشف التحقيقات الوبائية مصدر العدوى ومدى انتشارها.
وتأتي هذه المستجدات، بحسب حمضي، في سياق عودة الدفتيريا إلى عدد من البلدان الإفريقية خلال السنتين الأخيرتين، من بينها الجزائر وموريتانيا، بعدما ظلت الإصابات بالمرض محدودة في العديد من المناطق التي تتمتع بتغطية تلقيحية مرتفعة.
مرض غاب لعقود ويعود عبر التلقيح
وأكد حمضي أن الدفتيريا أصبحت مرضا نادرا جدا في المغرب بفضل البرنامج الوطني للتلقيح، مذكّرًا بأن البلاد سجلت 14 حالة سنة 1989 وحالة واحدة سنة 1991، قبل أن يختفي المرض عمليًا من التقارير الصحية لعقود.
وأوضح أن عودة الدفتيريا لا تعني اختفاء أثر التلقيح، وإنما تكشف أهمية الحفاظ على مستوى مرتفع من المناعة داخل المجتمع، إذ إن وجود مجموعات من الأطفال غير الملقحين أو الذين لم يستكملوا الجرعات يمكن أن يوفر ظروفًا تسمح بانتقال العدوى من جديد.
وأضاف أن المناعة ضد الدفتيريا لا ترتبط فقط بجرعات الطفولة، بل تحتاج كذلك إلى جرعات تذكيرية مع مرور الوقت، خصوصًا لدى البالغين، وفق التوصيات الصحية المعتمدة.
الدفتيريا ليست فيروسا
وأشار حمضي إلى أن الدفتيريا عدوى بكتيرية تسببها أساسًا بكتيريا Corynebacterium diphtheriae، موضحًا أن خطورتها ترتبط ببعض السلالات التي تنتج ذيفانًا قادرًا على إلحاق أضرار بالأنسجة.
وتنتقل العدوى بشكل رئيسي عبر الرذاذ التنفسي والمخالطة القريبة، كما يمكن لبعض الأشكال الجلدية أن تنتقل عبر ملامسة الجروح. ويمكن أيضًا لحاملي البكتيريا من دون أعراض أن يساهموا في نقلها.
وتظهر الدفتيريا التنفسية عادة من خلال التهاب الحلق والحمى وصعوبة البلع، وقد يصاحبها ظهور غشاء رمادي سميك وملتصق في الحلق، فيما يمكن للحالات الشديدة أن تتطور إلى انسداد في المسالك التنفسية أو مضاعفات خطيرة على القلب والجهاز العصبي.
وشدد حمضي على ضرورة التدخل الطبي السريع عند الاشتباه في الإصابة، موضحًا أن العلاج يعتمد على المضادات الحيوية، إضافة إلى مضاد سم الدفتيريا عند الحاجة وتوفره.
سوس-ماسة أمام اختبار جديد
ويربط حمضي بين ظهور الدفتيريا حاليًا في سوس-ماسة والتجربة التي عاشتها المنطقة نفسها مع عودة الحصبة، إذ سجلت الجهة عددًا من الحالات في بداية تفشي المرض الذي بدأ بالمغرب أواخر سنة 2023 قبل أن يمتد إلى مناطق أخرى.
وأكد أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود تطابق في مستويات التغطية بالتلقيح بين الحصبة والدفتيريا، غير أن ظهور مرض ثانٍ يمكن الوقاية منه بالتلقيح في المنطقة نفسها يستدعي، بحسبه، تدقيقًا أكبر في التغطية المحلية بالتمنيع.
وأوضح أن الحصبة، بسبب قدرتها العالية على الانتقال، يمكن أن تكون بمثابة مؤشر مبكر على وجود جيوب من نقص التلقيح، مضيفًا أن عودة الدفتيريا تشكل بدورها إنذارًا يستوجب التحقق من مدى انتظام الأسر في استكمال مختلف اللقاحات المدرجة ضمن البرنامج الوطني.
لا للهلع.. ونعم للتحرك السريع
ورغم أهمية تسجيل الدفتيريا بعد سنوات طويلة من الغياب، يؤكد حمضي أن المعطيات المتوفرة لا تسمح في هذه المرحلة بالحديث عن وباء وطني، داعيًا في المقابل إلى التعامل بجدية مع البؤر المكتشفة.
وتتركز الأولوية، وفق الطبيب والباحث، على تحديد المخالطين وتتبعهم، وإجراء الفحوصات اللازمة، والتحقق من وضعهم التلقيحي، وتوفير الوقاية والعلاج عند الحاجة، إلى جانب البحث النشط عن أي حالات جديدة.
كما يدعو إلى استدراك تلقيح الأطفال الذين لم يتلقوا الجرعات المقررة أو لم يستكملوها، مع تحديد المناطق التي قد تعرف مستويات غير كافية من التغطية وتنظيم حملات ميدانية عند الضرورة.
ويخلص حمضي إلى أن عودة الدفتيريا بعد عقود من الغياب تحمل رسالة واضحة للصحة العمومية: الأمراض التي نجح التلقيح في جعلها نادرة لا تختفي نهائيًا، ويمكن أن تعود متى تراجعت مستويات الحماية داخل المجتمع.