الشطر الثامن من رواية "أراضي الله"

لايف ستايل - 22-02-2024

الشطر الثامن من رواية "أراضي الله"

اقتصادكم

 


كبرت مع عرابين كانوا يقودون الحي بإشارة إصبع وبطرفة عين. الأول كان أكبر تاجر كحول، ونبيذ أحمر فاسد يبيعه بخمس دراهم للتر الواحد في بواقل بلاستيكية. 

الثاني لأنه كان "البيد يجي" (رئيس المديرية العامة) للشركة المتعددة الجنسيات لبيع السجائر بالقطعة، كان يترأس ستة وثلاثين بائعا متجولا يعملون لأربعة عشر ساعة في اليوم لأجل عشرة بالمائة من المداخيل الشهرية، داخل محيط ثلاث كيلومترات. عراب آخر كان يرعب الحي بتنظيم سرقات اللاقط الهوائي على السطوح والتي كان يعيد بيعها بنفس المنطقة، هذا لأنه لم يكن يتحمل التلفزيون، هذا الجهاز المستطيل الشكل الذي يجعل الناس ينسون الحياة الحقيقية، كان يقول. كنت أفهم حينها انزعاجه. أقتحم بملء القدمين العالم السري للرافضين.لأن كل العرابين في منطقتنا كانوا يعيشون في تقشف. 

 لم يكن مهما ما يلبسونه ولا كيف يجابهون الشارع، ولا كيف ينحنون صباحا لرد السلام على العجزة في الركن.  كانوا على وفاق تام مع عالمهم. عالم الطفيليات، عالم الإناث الهجينة، من الخادمات المترهلات، يلبسن كيلويات من الذهب، يستعرضنها جهرا، لكي يمثلن دورهن الاجتماعي، وأبناء أيضا أكثر عبوسا، لا يفتحون خياشيمهم إلا ليطلبوا من الله أن يلعن عرقنا المتعفن.

 بالحي المحمدي، اخترعوا أكثر العبارات المصنفة للشتائم، امتياز مطلق في فنون السباب والإهانة. يأتي الله على أول اللائحة. ربما بسبب الخلافات العالقة والأحاسيس التي تعجز عن صدها الألسن. لأنه يجب رؤية كيف يتقدمون بالشتائم باستهداف الله شخصياᴉ

رؤوف المقزز كان ملك الشتائم. ليخبرك أنه معك هذا الصباح يستطيع أن يبتكر آخر صيحات الشتيمة بابتسامة مرحة كتلك التي تبدو على وجه العاهرة التي تقطن أسفل بيتنا إذ تفتح فمها الذي يشبه إست الدجاجة كلما صادفت ذكرا. 

رؤوف يمكنه أن يمنحك جملة تظل تجترها طوال اليوم، على غرار، " اذهبᴉ الله يلعن دين البغاة المرضى الذين خلقوك أيها الأعور المعاق في هذا اليوم الملعون والشمس بلون الغائط المائع. اذهبᴉ ولتحرق سوءة أمك مع سوءة أبيك ابن العاهرة لكي ينقرض عرقكم المقمل فورا من على وجه الأرض". كل هذا بتدفق سينمائي بطيء، وبغنائية تقريبا لكي تتذوق كل معانيه. وعندما يشتاق أحدنا للشتائم الغير مسبوقة، يذهب لرؤية رؤوف، تدفع له ثمن سيجارة من نوع ماركيز، وتحصل على ما لا يقال، ليستقر على طرف لسانك طيلة النهار، جاهزا لإصابة أول قادم.

هذا الغناء الصباحي لم يكن أكثر من صلاة الأرواح المعذبة وهي تئن تحت سندان القدر. رؤوف كان يطلب لطف الله راكعا على ركبتيه. يطلب المغفرة المطلقة من الإله القهار. مجروح وعار كما خرج من بطن أمه، كان يترك حرارة الشمس المسعفة، لترطب تجاويف جسده. والحب الحانق للناس، يحمل اليه حرارة الحياة. هكذا يذم القدر والرجال الصالحين والأشرار ويطبع الجميع بضحكته الشيطانية الشهيرة.تطلب الأمر سنوات عديدة لأفهم كل هذا.

رؤوف كان خير رئيس للشتائم، من سيتم استدعاؤه يوم الحساب من طرف الله شخصيا لكي يؤلف وابل اللعنات على كل الأرواح الشريرة التي ستحترق في الجحيم عند الخالق. وهذا يعرفه رؤوف جيدا، لهذا السبب كانت كل ابتهالاته ذات بصمة غنائية شبه قرآنية تصيب مباشرة تلك القلوب التي هجرها الأمل. يجب ان ترى في تلك الشتائم أقوى لحظات التأمل والخشوع لرجل يسكنه حب الأهل. لكن لكل خطابه الخاص يمرر بواسطته جنونه وغضبه وتعاطفه. 

 

 

يتبع..

عنوان الرواية : أراضي الله
المؤلف: عبد الحق نجيب