الشطر السادس من رواية "أراضي الله"

لايف ستايل - 20-02-2024

الشطر السادس من رواية "أراضي الله"

اقتصادكم

 

صديقتي تسكن بالجهة الأخرى من الشارع. منزلا غير مكتمل مهدد بالسقوط لكنه صمد لأكثر من عشر سنوات كما لو كان مسحورا، نرى من الخارج عبر الشقوق والدها يأكل أو ينام أو يضع الراديو الصغير على أذنه ليسمع نشرة الأخبا 

كان طابقا أرضيا يحمل أكثر من حمولة من الخرسانة، مع مدخل في الوسط على هيأة باب، بلا نوافذ، وبسقف من الزنك.

تلك البناية كانت تمنح للحي خاصيته، كغيرها من المنازل في أحياء أخرى، تحدد بأشكالها ومظهرها ولونها، طابعا خاصا، الخط الفاصل الذي يعطي للناس هوية.المكعب حيث تعيش صديقتي، كان بلون الإسمنت الجاف بدون طلاء، يغمر الوجوه كلها بندى رمادي، إلا وجهها.


كنا نرتاد نفس المدرسة في حي الصفيح المعروف بالمدينة. بياض كبياضها كان تحديا للفتيات الأخريات، وخطرا تطلب منا معرفة كيفية التعامل معه وبأي ثمن، أرافقها إلى البهو حيث تعيش وسط منازل أولئك الأولاد، لكي تخمد هالات الغيرة الغاشمة. الفتيات الأخريات كن ليعدن تشكيل وجهها بتهذيب مثاليته قليلا أو تسويده ليتجنبن النور الذي يخرج منه. لكني كنت هناك أحرص الحب لأكثر من ثلاث سنوات حتى ذلك اليوم الذي صادفنا والدها عند أحد بائعي الحلويات، دائما مع مذياعه على الأذن، لم يسألنا ما الذي نفعله هنا، جذبني من قفاي وركلني في بطني. ابتلعت أحشائي. 

الرجل عوض أن يهدأ بعد هذا العرض المفاجئ لقوته استمر في الركل أكثر فأكثر كما لو كان جسدي الصغير ذلك العدو الذي سلبه شرف عائلته. ضربني بلا توقف وبلا أدنى كلمة حتى أدمى جسدي. ظل يضرب ويضرب كمن أصابه المس.

 لا أحد من الحاضرين كان بإمكانه التدخل طبعا، فالرجل هنا بصدد تقويم خطأ عظيم، بصدد الدفاع عن شرف بيته. لو لم يكن قادرا على الضرب، لكانوا قدموا المساعدة لتقويم الغلط. كنت أنزف بجسد مكور وعيون منطفئة وفم معوج كل هذا بسبب الركل الذي تلقيته على كلا الجانبين. تشاهدني صديقتي أنهار تحت ضربات والدها المتكررة والقوية. لم تحرك ساكنا أو تحتج.

 حاولت بكل ما استطعت من وسائل متوفرة أن أخفي وجهي. لم أرغب في أن ترى وجهي المتورم بسبب الضرب والألم. أردت أن أجنبها صورة حصن ينهار، صورة القلعة التي تغص في الدم بمواجهة العدو. السد الذي تم تشطيبه من طرف مد قوي اللكمات. 

لم يكن بمقدوري فعل شيء لتفادي الغرق. كنت أغرق بمعنى الكلمة ووالدها يمعن في غمس رأسي بالماء الهادر. أما هي، محبوبتي، كانت هناك واقفة أمامي بلا حراك أو نظرة مواساة عندما انتهى والدها مني منحها يده المبللة بعرق الضرب، ليمسك يدها وانصرفا باتجاه منزلهم المكفهر. المسألة كانت منتهية.

 

يتبع..

عنوان الرواية : أراضي الله
المؤلف: عبد الحق نجيب