تصويت بطعم الجدل.. رهانات اقتصادية ثقيلة تنتظر الحكومة

التحليل والرأي - 24-10-2026

تصويت بطعم الجدل.. رهانات اقتصادية ثقيلة تنتظر الحكومة

اقتصادكم-حنان الزيتوني

لم يكن تصويت مجلس النواب، يوم الخميس، على البرنامج الحكومي مجرد محطة دستورية، بل شكل مناسبة لإبراز حجم التباين بين الأغلبية والمعارضة بشأن أولويات المرحلة المقبلة، في جلسة طغت عليها السجالات السياسية وتبادل الانتقادات، وسط اهتمام متزايد من الرأي العام الذي تابع تفاصيل النقاشات وتفاعل مع أبرز لحظاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد حصل البرنامج الحكومي على موافقة 204 نواب، مقابل معارضة 127 نائبا، من أصل 331 شاركوا في التصويت، ليحصل بذلك الجهاز التنفيذي على الثقة البرلمانية اللازمة لمباشرة مهامه وفق المقتضيات الدستورية. غير أن هذه النتيجة، على أهميتها السياسية، لا تعني نهاية النقاش حول توجهات الحكومة، بقدر ما تمثل بداية مرحلة جديدة ستكون فيها الوعود المعلنة أمام البرلمان موضع اختبار أمام انتظارات المواطنين.

سجال سياسي 

وشهدت الجلسة نقاشات حادة بين مكونات الأغلبية والمعارضة، في مشهد عكس اختلاف التقديرات بشأن البرنامج الحكومي وطريقة تدبير عدد من الملفات السياسية والاجتماعية. كما امتدت المواجهة إلى ردود رئيسة الحكومة على مداخلات الفرق البرلمانية، حيث برزت خلافات بشأن تقييم التجارب الحكومية السابقة، والخطاب السياسي، وعدد من القضايا المرتبطة بالحكامة وتدبير الشأن العام.

ولم يقتصر الاهتمام بالجلسة على مضمون البرنامج والتصويت عليه، بل شمل أيضا طبيعة المواجهة بين الفاعلين السياسيين، وحدة الردود المتبادلة تحت قبة البرلمان. وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود الاختلاف السياسي بين الأغلبية والمعارضة، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل التنافس الحزبي إلى نقاش عمومي يركز على الحلول والبدائل بدل الاقتصار على تبادل الاتهامات.

مواقع التواصل.. امتداد جديد للنقاش البرلماني

وبالتوازي مع النقاشات التي احتضنتها قبة البرلمان، انتقلت أبرز لحظات الجلسة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت تصريحات المسؤولين وردودهم مادة للتداول والتعليق والسخرية، في مشهد يعكس التحول الذي عرفته متابعة الشأن السياسي، بعدما لم تعد الجلسات البرلمانية محصورة في نطاق المؤسسات، بل باتت حاضرة في النقاش اليومي للمواطنين عبر المنصات الرقمية.

الاقتصاد.. الاختبار الحقيقي للبرنامج الحكومي

ومن جهة أخرى تتجه الأنظار إلى قدرة الحكومة الجديدة على تحويل أهداف برنامجها إلى نتائج ملموسة، خصوصا بعدما أعلنت استهداف تحقيق معدل نمو اقتصادي متوسطه 5 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031، مع الحفاظ على عجز الميزانية دون 3 في المائة، واستقرار التضخم عند حدود 2 في المائة، إلى جانب تقليص الدين العمومي إلى نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031. 

ويبرز التشغيل ضمن أبرز الملفات التي ستحدد مدى نجاح البرنامج الحكومي، خاصة في ظل استمرار انشغال الشباب بضعف فرص الولوج إلى سوق العمل، والتفاوت بين التكوين ومتطلبات المقاولات. ومن ثم، فإن التحدي لا يتعلق فقط بتحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل بمدى قدرة هذا النمو على خلق وظائف مستقرة وتحسين جودة الشغل وتوسيع فرص الإدماج الاقتصادي.

كما تشكل القدرة الشرائية للأسر اختبارا أساسيا آخر، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتكاليف المعيشة وأسعار المواد الأساسية والسكن والخدمات. فنجاح السياسات الاقتصادية لن يقاس حصرا بالمؤشرات الماكرو اقتصادية، وإنما أيضا بمدى انعكاسها على ميزانيات الأسر، وقدرتها على مواجهة النفقات اليومية، والاستفادة من تحسن النشاط الاقتصادي.

وفي موازاة ذلك، تظل رهانات تشجيع الاستثمار الخاص، وتحسين مناخ الأعمال، وتوسيع القاعدة الضريبية، ورفع فعالية المؤسسات والمقاولات العمومية من بين الملفات التي ستحتاج إلى إجراءات واضحة وآجال محددة للتنفيذ، حتى لا تبقى الأهداف المعلنة مجرد مؤشرات طموحة يصعب تقييم أثرها في غياب نتائج ملموسة.

من شرعية التصويت إلى شرعية الإنجاز

وبين الأغلبية التي منحت البرنامج الحكومي ثقتها، والمعارضة التي اختارت التصويت ضده، تدخل الحكومة مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من عرض الالتزامات إلى اختبار القدرة على تنفيذها. فالتصويت، رغم أهميته الدستورية والسياسية، لا يحسم النقاش حول نجاعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، ولا يعفي الحكومة من مواجهة الأسئلة المرتبطة بمصادر التمويل، وأولويات الإنفاق العمومي، والآليات المعتمدة لتحقيق الأهداف المعلنة.