اقتصادكم-حنان الزيتوني
ماذا يحتاج الاقتصاد المغربي اليوم حتى يتحول النمو من نتيجة مرتبطة بالظرفية المناخية والخارجية إلى مسار أكثر استقرارا وقدرة على خلق الثروة وفرص الشغل؟ سؤال يفرض نفسه مع اتساع حجم المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة، مقابل استمرار تحديات الجفاف والتشغيل والفوارق المجالية والضغط على المالية العمومية.
وفي هذا الصدد يرى المحلل الاقتصادي، عمر الكتاني أن قراءة الوضع الاقتصادي المغربي تقتضي التمييز بين مسارين متوازيين، الأول يرتبط بما راكمه المغرب من استثمارات في البنيات التحتية والقطاعات الصناعية والموانئ والطاقة، والثاني يتصل بالاختلالات التي ما زالت تحد من قدرة هذه الاستثمارات على إنتاج آثار اجتماعية واقتصادية متوازنة.
لماذا تظل الفلاحة مؤثرة في أداء الاقتصاد؟
وأوضح الكتاني في اتصال مع موقع "اقتصادكم"، أن خصوصية الاقتصاد المغربي تكمن، في جانب منها، في استمرار تأثير النشاط الفلاحي على المؤشرات العامة للنمو. ويعتبر أن هذه الوضعية تجعل نتائج الموسم الزراعي عنصراً مؤثراً في تحديد الاتجاه العام للنشاط الاقتصادي، رغم التطور الذي عرفته قطاعات الصناعة والخدمات.
وانتقد المحلل الاقتصادي، في هذا السياق، الاعتماد على فرضية إنتاج حبوب يصل إلى 70 مليون قنطار عند احتساب توقعات النمو، معتبرا أن هذا المستوى يفترض موسماً فلاحياً مواتياً في وقت أصبحت فيه التقلبات المناخية والجفاف عاملاً ينبغي أخذه بجدية أكبر عند بناء السيناريوهات الاقتصادية.
وذهب الكتاني إلى أن اعتماد فرضية أكثر تحفظا، من قبيل 50 مليون قنطار، كان سيقدم، من وجهة نظره، أساساً أكثر حذرا لتقدير النمو، بدل جعل بلوغ مستويات من قبيل 4.1 أو 4.2 في المائة مرتبطاً بنتيجة فلاحية يصعب ضمانها مسبقاً.
هل تستطيع الصناعة تعويض تقلبات الزراعة؟
الرهان الثاني، وفق قراءة الكتاني، يتمثل في قدرة القطاعات الصناعية على لعب دور أكبر في الاقتصاد الوطني. فالمغرب نجح في استقطاب استثمارات وتطوير منظومات صناعية في مجالات مثل السيارات ومكوناتها وصناعة الطائرات وقطع الغيار.
غير أن توسع هذه القطاعات لا يعني، حسب المحلل، أنها منفصلة عن التقلبات الخارجية؛ فجزء مهم من الإنتاج الصناعي موجه إلى الأسواق الدولية، ما يجعل أداء الاقتصاد المغربي مرتبطا أيضا بالطلب في البلدان الشريكة.
ويبرز هنا العامل الأوروبي بشكل خاص، بالنظر إلى الوزن الذي تمثله السوق الأوروبية في المبادلات التجارية المغربية. وبالتالي، فإن أي تباطؤ اقتصادي لدى الشركاء الأوروبيين يمكن أن ينتقل تأثيره إلى القطاعات المغربية المرتبطة بالتصدير.
ومن هذا المنظور، يرى الكتاني أن تطوير الصناعة ينبغي أن يترافق مع توسيع قاعدة الأسواق والرفع من الاندماج المحلي، حتى لا يبقى جزء من النمو الصناعي رهيناً فقط بدورات الطلب الخارجي.
خمسة رهانات صنعت ملامح الاقتصاد الجديد
وعلى امتداد السنوات الماضية، اتجه المغرب إلى بناء منظومة اقتصادية تستند إلى مجموعة من الأوراش طويلة الأمد.
ويضع الكتاني في مقدمة هذه الاختيارات الاستثمار في البنية التحتية، من خلال تطوير شبكة الطرق السيارة والموانئ والمطارات، بما يعزز الربط بين مناطق الإنتاج والأسواق ويقوي موقع المغرب في المبادلات الدولية.
ويأتي بعد ذلك التصنيع الموجه نحو القطاعات ذات القيمة المضافة، وفي مقدمتها صناعة السيارات والطيران ومكوناتهما، باعتبارها مجالات تستهدف إدماج الاقتصاد الوطني في سلاسل الإنتاج العالمية.
أما الرهان الثالث فيتصل بالطاقة، خصوصاً الطاقات المتجددة، التي أصبحت مرتبطة ليس فقط بالتحول البيئي، وإنما أيضاً بأمن الإمدادات وتقليص كلفة الطاقة على الاقتصاد.
ويبرز الماء باعتباره رهانا رابعا، من خلال تطوير مشاريع نقل المياه بين المناطق والأحواض، إلى جانب توسيع الاعتماد على تحلية مياه البحر.
ويأتي الاستثمار العمومي والشراكة بين القطاعين العام والخاص كآلية لتمويل جزء من هذه الأوراش، خصوصا المشاريع التي تحتاج إلى رساميل كبيرة، مثل البنيات التحتية ومنشآت الماء والطاقة.
أين يقف البعد الاجتماعي في هذه المعادلة؟
وفي مقابل هذه الأوراش، يرى الكتاني أن الجانب الاجتماعي لا يزال بحاجة إلى استثمارات أكبر، خصوصاً في التعليم والصحة بالمناطق القروية.
ويعتبر أن مشكلة التشغيل لا تنفصل عن هذه الفوارق، إذ إن محدودية فرص العمل خارج المدن تدفع شريحة من الشباب إلى الانتقال نحو المراكز الحضرية، بينما يبحث جزء آخر عن فرص في الخارج.