العملات المستقرة بالدولار.. توسع رقمي يعزز النفوذ الأمريكي ويثير مخاوف مالية

آخر الأخبار - 13-10-2026

العملات المستقرة بالدولار.. توسع رقمي يعزز النفوذ الأمريكي ويثير مخاوف مالية

اقتصادكم

 

تعزز العملات المشفرة المستقرة المرتبطة بالدولار حضور العملة الأمريكية في المعاملات الرقمية العابرة للحدود، وتفتح أمامها قنوات جديدة للطلب على الأصول المالية الأمريكية، غير أن توسعها يثير تحديات مرتبطة باستقرار النظام المصرفي والسيادة على المدفوعات الدولية.

يتواصل توسع سوق العملات المشفرة المستقرة، في اتجاه يعزز مكانة الدولار داخل الاقتصاد الرقمي العالمي، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات بشأن انعكاساته على النظام المالي التقليدي وحدود النفوذ الأمريكي في البنية التحتية للمدفوعات.

وتتيح هذه الأصول الرقمية للمستخدمين تحويل القيمة والاحتفاظ بها بين المحافظ الإلكترونية ومنصات التداول في مختلف أنحاء العالم، مع الحفاظ على ارتباطها بعملة تقليدية، غالبا الدولار الأمريكي. ويمنحها ذلك دورا متناميا في تسهيل المعاملات الرقمية، إلى جانب تعزيز حضور العملة الأمريكية خارج القنوات المصرفية المعتادة.

وبحسب بيانات أوردتها منصة «كوين ديسك» عن شتنبر 2026، بلغت القيمة الإجمالية لسوق العملات المستقرة نحو 313 مليار دولار، مسجلة زيادة بنسبة 1.29 في المائة مقارنة بشهر غشت الماضي.

وكان صندوق النقد الدولي قد أشار، في تقديرات منشورة خلال غشت 2026، إلى أن العملات المستقرة المقومة بالدولار تمثل نحو 99 في المائة من السوق، وهو ما يعكس الارتباط الوثيق بين نمو هذه الأصول واتساع استخدام العملة الأمريكية في البيئة المالية الرقمية.

وتصدر العملات المستقرة جهات خاصة، وتسعى إلى الحفاظ على قيمة مرجعية مستقرة، غالبا ما تعادل دولارا واحدا للوحدة. ومن أبرز نماذجها «يو إس دي تي» الصادرة عن شركة «تيثر»، و«يو إس دي سي» التابعة لشركة «سيركل»، إذ تعتمد هذه الإصدارات على احتياطيات تضم أصولا مالية، من بينها أذون الخزانة الأمريكية والودائع، مع اختلاف تركيبة الاحتياطيات وشروط استرداد الأموال بين جهة وأخرى.

وتستمد هذه العملات استقرارها المستهدف من ربط قيمتها بأصول مرجعية، سواء تعلق الأمر بعملات تقليدية أو أدوات دين حكومية أو، في بعض الإصدارات، معادن نفيسة. غير أن هذا الارتباط لا يلغي المخاطر المرتبطة بجودة الاحتياطيات وقدرة الجهات المصدرة على تلبية طلبات الاسترداد.

لا يعني نمو سوق العملات المستقرة بالضرورة نشوء طلب إضافي بالحجم نفسه على الدولار، إذ يتوقف الأثر الفعلي على مصدر الأموال المستخدمة في اقتنائها وطريقة توظيف الاحتياطيات.

وفي هذا السياق، يرى نيكولا بولدريني، رئيس التسويق بشركة «فينش تريد» السويسرية المتخصصة في توفير السيولة للمؤسسات العاملة في الأصول الرقمية، أن انتقال الأموال من الودائع الدولارية أو صناديق سوق النقد إلى العملات المستقرة لا يمثل بالضرورة طلبا جديدا على العملة الأمريكية، بقدر ما يعكس تغيرا في شكل الاحتفاظ بالأموال.

وأوضح بولدريني، في تصريح لموقع «الجزيرة نت»، أن الصورة تختلف عندما تستقطب هذه الأصول مدخرات أو أموالا مخصصة للمعاملات كانت ستظل مقومة بعملات محلية. ففي هذه الحالة، قد يؤدي توسع استخدامها إلى زيادة الطلب العالمي على الأصول المرتبطة بالدولار.

ويبرز هذا التمييز أهمية الفصل بين القيمة الإجمالية للعملات المستقرة المتداولة وصافي التدفقات الجديدة نحو الأصول الدولارية، مع مراعاة مصدر الأموال وكيفية استثمار الجهات المصدرة للاحتياطيات التي تدعم تلك العملات.

يتجاوز تأثير العملات المستقرة تسهيل التحويلات الرقمية، إذ يمكن أن يمتد إلى سوق الدين الحكومي الأمريكي. فعندما توظف الجهات المصدرة جزءا من احتياطياتها في أذون الخزانة، فإن نمو الطلب على عملاتها قد يترجم إلى زيادة الطلب على هذه الأدوات المالية، بحسب حجم الاحتياطيات وطبيعة إدارتها.

ويمنح هذا النموذج الدولار منفذا إضافيا إلى الاقتصاد الرقمي، خصوصا في المعاملات التي تتم خارج أوقات العمل المصرفي التقليدية أو عبر منصات تعمل على مدار الساعة. كما يتيح للمستخدمين في أسواق مختلفة الوصول إلى قيمة مرتبطة بالدولار دون الحاجة، في كل عملية، إلى المرور عبر تحويل مصرفي دولي تقليدي.

لكن هذا الترابط يفتح الباب أمام مخاطر مالية، خصوصا إذا واجهت إحدى الجهات المصدرة موجة واسعة من طلبات الاسترداد، أو تراجعت الثقة في جودة احتياطياتها. وقد يؤدي ذلك إلى عمليات بيع للأصول التي تدعم العملات المستقرة، بما يرفع احتمالات انتقال الضغوط إلى الأسواق المالية التقليدية، وفق طبيعة الأصول وحجم الصدمات.

في المقابل، يثير انتشار العملات المستقرة المرتبطة بالدولار مخاوف تتعلق بتعزيز اعتماد الاقتصادات على العملة الأمريكية، ولا سيما عندما يستخدم الأفراد والشركات هذه الأصول بديلا عن العملات المحلية في الادخار أو تسوية المعاملات.

وقد يؤدي هذا التوجه، في بعض الاقتصادات، إلى إضعاف الطلب على العملة الوطنية وتقليص فعالية السياسة النقدية، خصوصا عندما تتسع المعاملات الرقمية المرتبطة بالدولار خارج نطاق القنوات المالية المحلية الخاضعة للرقابة التقليدية.

كما يمنح الاعتماد على منصات ومصدرين خاضعين لولايات قضائية مختلفة أهمية متزايدة لمسألة التحكم في مسارات المدفوعات، ومدى قدرة السلطات على تطبيق القواعد المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.

وبذلك، تبدو العملات المستقرة سلاحا ذا حدين بالنسبة إلى النفوذ المالي الأمريكي: فهي توسع نطاق استخدام الدولار وتدعم الطلب المحتمل على الأصول المقومة به، لكنها في الوقت نفسه تنقل جزءا من حركة الأموال إلى بنية رقمية تفرض تحديات جديدة على الرقابة والاستقرار المالي.