اقتصادكم – هند شمراق
تواجه فرنسا ضغوطا اجتماعية واقتصادية متزايدة، في ظل احتجاجات اتسعت رقعتها لتجمع مطالب طلابية ونقابية، إلى جانب عودة أنصار حركة «السترات الصفراء» إلى الشارع، على خلفية غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية.
وبعد احتجاجات 17 أكتوبر 2026، التي تراوحت التقديرات بشأن عدد المشاركين فيها بين 550 ألفا و800 ألف متظاهر في مختلف المدن الفرنسية، امتدت تداعيات الأزمة إلى النقاش حول كلفة الاضطرابات على النشاط الاقتصادي، وقدرة الدولة على تمويل التعويضات والاستجابة للمطالب الاجتماعية، في وقت تواجه فيه المالية العمومية ضغوطا متزايدة.
وانطلقت هذه الحركة الاحتجاجية في 18 شتنبر من بعض الثانويات الباريسية، احتجاجا على الاكتظاظ ونقص الأساتذة، قبل أن تتسع لتشمل فئات اجتماعية ونقابية مختلفة، في سياق يتسم بتراجع القدرة الشرائية وتزايد المخاوف بشأن الوضع الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، أجرت "اقتصادكم" حوارا مع الدكتور عز الدين عليوي، الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي والمالي، لمناقشة التداعيات الاقتصادية للاحتجاجات، وسبل تدبير تكاليفها، ومدى قدرة الرئيس إيمانويل ماكرون، في المرحلة الأخيرة من ولايته، على احتواء الأزمة عبر إجراءات اقتصادية عاجلة.
اقتصادكم: إلى أي حد يمكن أن تتحول كلفة الاحتجاجات الاجتماعية، من تعطيل للإنتاج ونهب للمحلات وحرق للممتلكات، إلى عامل إضافي في تفاقم غلاء المعيشة الذي خرج المحتجون للتنديد به؟
عز الدين عليوي: يتطلب هذا السؤال، أولا، تفكيك مفهوم «التخريب الاقتصادي» قبل تحديد حجم تداعياته. فالضرر الذي يلحق واجهات المحلات بسبب العنف ليس، في تقديري، أخطر من التداعيات التي يخلفها الاضطراب الاجتماعي على القرارات الاقتصادية. والمشكلة الأعمق تكمن في أثر هذه الأحداث على التوقعات، لأن الاقتصاد لا يتأثر بالحدث وحده، بل أيضا بحالة الغموض التي تسبقه وتستمر بعده.
وقد أظهرت أعمال بن برنانكي، بشأن الاستثمار غير القابل للاسترجاع أن الشركات تميل إلى تأجيل قراراتها عندما يرتفع مستوى عدم اليقين، لأن الانتظار يمنحها قيمة إضافية تتمثل في الاحتفاظ بخيار الاستثمار إلى حين اتضاح الظروف.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الكلفة الحقيقية للاحتجاجات لا تقاس فقط بحجم الممتلكات التي تتعرض للتخريب، بل أيضا بقرارات الاستثمار والتوظيف التي قد تتجمد خلال الفصول المقبلة، وهي خسائر لا تظهر في فواتير التعويضات.
وتكشف الأرقام المتاحة عن تفاوت واضح بين حجم الضرر الإجمالي وطريقة توزيعه. فالتقديرات الأولية للخسائر المرتبطة بأحداث 17 أكتوبر تتراوح بين مئات الملايين من اليوروهات، وتصل في بعض التقارير إلى نحو مليار يورو.
ومع ذلك، لا تمثل هذه القيمة سوى حوالي 0.03 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة لا تكفي، في حد ذاتها، لتفسير أي تباطؤ اقتصادي.
لكن الصورة تختلف عندما ننظر إلى توزيع الخسائر، إذ تركز جزء مهم منها في قطاع التوزيع والتجزئة والتجارة، الذي تعمل شركاته بهوامش ربح محدودة وسيولة ضعيفة نسبيا. وفي مثل هذه الحالات، قد تتحول خسارة مؤقتة إلى إغلاق نهائي، خصوصا بالنسبة إلى التجار الصغار.
كما أن جزءا من المبيعات التي تضيع بسبب الاحتجاجات لا يختفي بالضرورة من الاقتصاد، بل ينتقل إلى متاجر أخرى أو إلى التجارة الإلكترونية.
وهذا التحول يحد من الخسارة الصافية على مستوى الاقتصاد الكلي، لكنه قد يزيد الضغط على الفاعلين الصغار الذين لا يستفيدون من انتقال الإنفاق بالقدر نفسه.
أما على المستوى المالي، فقد قدمت سوق السندات السيادية مؤشرا مهما، إذ ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات بست نقاط أساس خلال أول جلسة أعقبت الأحداث، في حين تراجع عائد السندات الألمانية بنقطة أساس واحدة. ويشير هذا التباين إلى أن حركة السوق ارتبطت أساسا بتقييم المخاطر الخاصة بفرنسا.
وأرى أن هذه الزيادة، رغم محدوديتها النسبية، تحمل دلالة مهمة، لأن علاوة المخاطر كانت قد ارتفعت قبل 17 أكتوبر من نحو 100 نقطة أساس إلى 136 نقطة. وهذا يعني أن الأسواق كانت قد احتسبت مسبقا جزءا كبيرا من المخاوف المالية، قبل أن تضيف الأحداث الأخيرة بعدا سياسيا جديدا إلى هذه المخاطر.
وعند تحليل علاوة المخاطر إلى مكوناتها، بما يشمل مخاطر الائتمان والسيولة والمخاطر السياسية، يتضح أن المكون السياسي أكثر سرعة في التفاعل مع الأحداث، في حين يرتبط تغير مخاطر الائتمان بوتيرة أبطأ، تتأثر بالمسار المالي للدولة.
وإذا افترضنا انتقال الزيادة الإضافية في العائد بالكامل إلى كلفة الدين عبر إعادة التمويل، فإنها قد تعني نحو ملياري يورو سنويا، استنادا إلى دين عمومي يبلغ حوالي 3460 مليار يورو.
ولهذا التراجع وجهان: فمن جهة، يمكن أن يعزز القدرة التنافسية السعرية للصادرات الفرنسية، ومن جهة أخرى، يرفع كلفة الطاقة المستوردة والمقومة بالدولار، في وقت بلغ فيه العجز التجاري الفرنسي 6.7 مليارات يورو خلال يوليوز 2026.
وأعتقد أن الأثر الصافي قد يكون سلبيا على المدى القصير، لأن الواردات تتكيف مع تغيرات سعر الصرف بوتيرة أسرع من الصادرات، وهو ما يرتبط بما يعرف في الاقتصاد بمنحنى «J».
وعلى مستوى الإنتاج، لا أعتقد أن الصناعات الكبرى، مثل الطيران والصيدلة، ستتأثر مباشرة بالدرجة نفسها، نظرا إلى ارتباطها بسلاسل توريد عالمية وبطلب خارجي لا يتأثر بالضرورة بما يحدث في الشارع الباريسي. غير أن التداعيات الأعمق قد تظهر في سوق الشغل، وخصوصا في عدد الوظائف التي لن تُخلق نتيجة ارتفاع المخاطر وتراجع ثقة المستثمرين.
فبطالة الشباب تقارب 21 في المائة، والشركات الصغيرة التي تواجه تقلب الطلب وارتفاع المخاطر قد تؤجل خطط التوظيف. كما أن الشباب الذين يدخلون سوق العمل في ظروف اقتصادية صعبة معرضون لما يسميه الاقتصاديون «الندبة» (Hysteresis)، أي استمرار الآثار السلبية للأزمة على الأجور والإنتاجية وفرص الشغل لسنوات طويلة.
وعلى المستوى الأوروبي، لا يمكن التعامل مع ما يحدث في فرنسا باعتباره أزمة داخلية معزولة، لأن الأسواق تربط تطوراتها بالوضع السياسي في إسبانيا وبالنقاش الأوروبي حول الدين العام. وتظهر المقارنة بين عوائد السندات أن إيطاليا تقترض بعائد يقارب 4.51 في المائة، مقابل 4.85 في المائة لفرنسا، وهو تحول في ترتيب المخاطر داخل منطقة اليورو لم يكن متوقعا قبل سنوات قليلة.
أما البرتغال، فلم تسجل ضغوطا مماثلة، في ظل وضوح أكبر لمسارها المالي وتحسن تصنيفها خلال السنوات الأخيرة.
وخلاصتي أن الاحتجاج لا يضر الاقتصاد لمجرد كونه احتجاجا، بل عندما يتحول الاضطراب إلى تشكيك في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. عندها تتحمل الأسواق الكلفة أولا، قبل أن تنتقل آثارها إلى الشباب الذين خرجوا إلى الشارع للمطالبة بتحسين أوضاعهم.
اقتصادكم: كيف سيتم تدبير كلفة الاحتجاجات، بعد تسجيل خسائر بمئات ملايين اليوروهات على مستوى الشوارع والواجهات التجارية والممتلكات العمومية؟
عز الدين عليوي: يتعلق السؤال، في جوهره، بكيفية توزيع الكلفة أكثر مما يتعلق بوجودها، لأن الخسارة لا تختفي من الاقتصاد، وإنما تنتقل بين أطرافه. لذلك ينبغي أن نحدد من سيتحمل العبء في نهاية المطاف، وليس فقط الجهة التي تكبدت الخسارة في البداية.
فصاحب المتجر المتضرر يتحمل جزءا من الكلفة، وشركة التأمين تعيد توزيع جزء منها على المؤمن لهم عبر الأقساط، بينما تتحمل الدولة ما تضيفه التعويضات إلى التزاماتها المالية، ويتحمل العمال بدورهم الخسائر المرتبطة بفقدان الوظائف.
ومن هذا المنظور، لا يلغي التأمين الكلفة، بل يعيد توزيعها ويؤجل جزءا من آثارها، من خلال أقساط قد ترتفع في السنوات المقبلة. لذلك يمكن اعتبار التعويض الجماعي، في بعض الحالات، تمويلا مؤجلا للخسائر أكثر منه حلا نهائيا لها.
وأرى أن آلية التأمين تواجه بدورها خللا بنيويا لا يمكن تجاوزه بمجرد تسريع الإجراءات الإدارية. فأعمال الشغب غالبا ما تكون مترابطة زمنيا ومكانيا، إذ قد تقع في المدن نفسها وخلال الأيام نفسها، بعد دعوات مشتركة للاحتجاج. وهذا الترابط يجعل المخاطر صعبة التنويع بالنسبة إلى شركات التأمين الخاصة.
وتقوم هذه الشركات على قانون الأعداد الكبيرة، أي تجميع مخاطر مستقلة نسبيا بحيث تعوض الخسائر في بعض الحالات المكاسب أو الأقساط المتحصلة في حالات أخرى، لكن هذا الشرط لا يتوفر بالقدر نفسه عندما تتعرض مناطق متعددة لأضرار متزامنة، لذلك أعتقد أن السوق الخاصة لا تستطيع تحمل هذه المخاطر بمفردها، وأن الأمر يستدعي ضمانا عموميا، على غرار بعض الآليات المعتمدة للتعامل مع مخاطر الإرهاب.
وقد تبنى قانون المالية لسنة 2026 هذا التوجه من خلال ضمان إلزامي مدعوم بصندوق للتضامن بضمان من الدولة، غير أن ما أوردته الصحافة المتخصصة يشير إلى أن الآلية لم تدخل حيز التطبيق بعد. وأعتبر أن هذا التأخير يمثل مشكلة أساسية، لأن الشركات الصغيرة لا تملك الموارد الكافية لانتظار التعويض لفترات طويلة، وقد يؤدي التأخر في صرفه إلى تحويل خسارة مؤقتة إلى إفلاس نهائي.
أما الخسائر غير المؤمنة، ومنها تراجع رقم المعاملات والأرباح التي كان يمكن تحقيقها، فهي أقرب إلى أزمة سيولة. فقد يكون التاجر الصغير قادرا على استعادة نشاطه على المدى المتوسط، لكنه لا يتوفر بالضرورة على احتياطات مالية تسمح له بتحمل أسابيع أو أشهر من الإغلاق وإعادة تجهيز متجره.
وهنا يمكن أن تنتقل الأزمة عبر شبكة العلاقات التجارية: يتأخر التاجر في أداء مستحقات الموردين، فيتأخر هؤلاء بدورهم في أداء الأجور أو شراء المواد، بينما تصبح البنوك أكثر حذرا في منح القروض. وبذلك قد يتحول اضطراب محدود في البداية إلى سلسلة من حالات التعثر المالي.
وأعتقد أن الدولة تستطيع الحد من هذه المخاطر عبر ضمانات القروض التي يقدمها بنك الاستثمار العمومي، لأن كلفة الضمان بالنسبة إلى الدولة ترتبط بالخسارة المتوقعة، ولا تساوي بالضرورة كامل المبلغ المضمون. لكن هذه الضمانات قد تتحول إلى التزامات طارئة على الميزانية، ولذلك ينبغي إدراجها ضمن تقييم المخاطر المالية حتى لا تتحول إلى أعباء غير متوقعة لاحقا.
وعلى مستوى التمويل، تكشف الحسابات عن جانب مهم. فإذا اقترضت الدولة مليار يورو بفائدة تقارب 4.9 في المائة، فإنها ستتحمل نحو 49 مليون يورو سنويا من الفوائد ما دام الدين قائما. وقد يبدو هذا المبلغ محدودا مقارنة بحجم الميزانية، لكنه يضاف إلى عجز يتراوح بين 5 و5.4 في المائة من الناتج الداخلي الخام، ويزاحم بنودا أخرى من الإنفاق، من بينها التعليم الذي يمثل أحد المطالب الرئيسية للحركة الاحتجاجية.
وأرى أن الخيارات الثلاثة المطروحة لتمويل التعويضات، وهي إعادة توزيع الإنفاق، وفرض ضريبة مؤقتة على الأرباح الاستثنائية، واللجوء إلى الاقتراض، لكل منها كلفة مختلفة.
فإعادة توزيع الإنفاق قد تكون الأقل إحداثا للاختلالات الاقتصادية، لكنها الأصعب سياسيا في ظل احتجاجات واسعة. أما الضريبة المؤقتة على الأرباح الاستثنائية، التي تطالب بها النقابات، فقد تبدو مبررة من حيث المبدأ، لكنها قد تقلص الاستثمار في أنشطة التكرير والتخزين في وقت تحتاج فيه فرنسا إلى تعزيز مرونة إمداداتها. لذلك ينبغي، في حال اعتمادها، أن تكون محدودة المدة ومقترنة بضمانات تحافظ على استمرارية الإنتاج.
أما الاقتراض، فهو الخيار الأسهل على المدى القصير، لكنه قد يزيد علاوة المخاطر، ويعيد جزءا من كلفة الاحتجاجات إلى الاقتصاد في صورة فوائد أعلى على الدين.
ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية، أعتبر أن تعويض التجار الصغار ضرورة، لأن المتجر المحلي يؤدي وظيفة تتجاوز قيمته المالية، إذ يساهم في الحفاظ على النسيج الاجتماعي والعمراني، وقد يؤدي إغلاقه إلى فراغ يصعب ملؤه. لكن الإنصاف يقتضي أيضا ألا يتحمل المجتمع بأكمله كلفة أفعال ارتكبتها فئة محدودة.
ولهذا أرى أن مبدأ الرجوع على المتسببين في الأضرار ومساءلتهم، إلى جانب إلزام شركات التأمين بمتابعة المسؤوليات الفردية، أمر أساسي حتى لا تتحول المساعدة العامة، من دون قصد، إلى إعفاء للمسؤولين عن التخريب من تبعات أفعالهم.
كما ينبغي ربط المساعدات بتصريح رسمي بالأضرار، وصرفها في آجال قصيرة، لأن قيمتها الاقتصادية تتراجع كلما تأخر وصولها إلى المتضررين. وفي هذا السياق، يمكن أن تشكل مبادرة مدينة ليون بتخصيص 10 ملايين يورو مثالا على التمويل المحلي المسؤول، شريطة أن تندرج ضمن إطار وطني متكامل.
أما المقارنة الأوروبية، فأرى أن فرنسا تواجه هذه المعضلة في غياب آلية أوروبية مخصصة لتعويض هذا النوع من الأضرار. فصندوق التضامن الأوروبي موجه أساسا إلى الكوارث الطبيعية والأزمات الصحية الكبرى، ولا يوفر إطارا عاما لتعويض الخسائر الناتجة عن أعمال الشغب.
وبالتالي، ستتحمل فرنسا الجزء الأكبر من الكلفة في ظل وضع مالي أكثر هشاشة من بعض جيرانها، ما يجعل التمويل أكثر كلفة وصعوبة. وهذا الفارق مهم، لأن الدولة التي يتقلص هامشها المالي تصبح كل مساعدة تقدمها قرارا يؤثر في توازنات الميزانية بأكملها.