اقتصادكم ـ هند شمراق
اعتبر أمين سامي، الخبير والمستشار الدولي المغربي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير، أن مصادقة مجلس النواب على البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، بموافقة 204 نواب مقابل معارضة 127 نائبا، لا تمثل مجرد إجراء دستوري لتنصيب الحكومة، بل تتعداه لتشكل انتقالا سياسيا ومؤسساتياً، من مرحلة إعلان الالتزامات إلى مرحلة تحمل مسؤولية تنفيذها.
وأوضح سامي، في قراءة تحليلية، لموقع "اقتصادكم" أنه وفقا للفصل 88 من الدستور المغربي، تمنح هذه المصادقة الحكومة الشرعية البرلمانية لمباشرة برنامجها، وبالتالي يمكن اعتبارها تعاقدا اجتماعيا بين الحكومة والمواطنين، وسياسيا ومؤسساتيا بين الحكومة ومجلس النواب، لكنه ليس تفويضا مطلقا، بل تعاقد يقوم على الالتزام والمراقبة والمساءلة وتقييم النتائج.
وشدد الخبير على أن التصويت يمنح الثقة للحكومة، لكنه لا يمنحها شهادة مسبقة بنجاح سياساتها، لأن المصداقية الحقيقية لهذا التعاقد، ستتحدد بمدى القدرة على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة في التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والتنمية الترابية.
وبخصوص العلاقة مع البرنامج الحكومي السابق، اعتبر سامي، أننا لسنا أمام قطيعة شاملة، ولا أمام استمرارية آلية، بل أمام محاولة للجمع بين استمرارية الأوراش الاستراتيجية الكبرى، خصوصا الحماية الاجتماعية والبنيات التحتية والاستثمار والأمن المائي والطاقي والغذائي، وبين تصحيح الاختلالات المرتبطة بضعف مردودية بعض السياسات العمومية.
وأبرز سامي، أن التحول المعلن يتمثل أساسا في الانتقال من منطق حجم الاستثمار إلى منطق حجم الإنتاجية وجودة التشغيل، ومن تعميم الخدمات إلى منطق تحسين جودتها، ومن توزيع المشاريع قطاعيا إلى خلق التنمية الترابية المندمجة النسقية المتكاملة.
وعلى المستوى الاقتصادي، يرى الخبير الدولي أن الحكومة ستواجه ثلاثة رهانات مترابطة ونسقية، وهو استعادة القدرة الشرائية للمواطنين، ليس فقط من خلال التحكم في التضخم، وإنما أيضا عبر إصلاح سلاسل الإنتاج والتوزيع، وتعزيز المنافسة، والحد من الوساطة الانتهازية، وتحسين الدخل الحقيقي للأسر.
وبالنسبة للرهان الثاني، فهو تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل منتجة ومستدامة، حيث يستهدف البرنامج متوسط نمو سنوي يبلغ 5 في المائة وإحداث نحو مليون فرصة شغل، لكن التحدي الحقيقي، حسب سامي، يكمن في طبيعة هذا النمو، هل هو توسعي أم إنتاجي أم تحولي إدماجي أم مختلط، بالإضافة إلى طبيعة الوظائف المستحدثة، ومدى استدامتها، وقدرتها على إدماج الشباب والنساء، خصوصا بعد انتهاء الأوراش المرتبطة بكأس العالم 2030.
وبالنسبة للرهان الثالث، فهو بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وسيادة وعدالة ترابية، عبر تقوية الصناعة الوطنية، ورفع الاندماج المحلي، وتحسين تنافسية المقاولات، وتأمين الموارد المائية والطاقية، وتحويل الاستثمارات العمومية إلى قيمة مضافة وفرص اقتصادية موزعة بصورة أكثر إنصافا بين الجهات.
وأضاف سامي، ينبغي تحقيقه مع الحفاظ على استدامة المالية العمومية، في ظل التزام الحكومة بضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
وأشار أمين سامي، إلى أن التحدي المركزي للحكومة الجديدة ليس تحقيق النمو الاقتصادي فقط، بل تحويل هذا النمو من توسعي تقوده الاستثمارات إلى نمو إنتاجي وتحويلي وإدماجي، ترتفع معه الإنتاجية والأجور الحقيقية وتتقلص البطالة والفوارق المجالية.
وأضاف سامي، أن نجاح البرنامج الحكومي لن يُقاس بعدد المشاريع التي سيتم إطلاقها أو حجم الاعتمادات التي ستُعبأ، وإنما بمدى انعكاس هذه السياسات على الحياة اليومية للمواطنين.